الثلاثاء , 1 ديسمبر 2020

يوميات الحجر الصحي الشامل (2)

عبد الحق الزمّوري

بدأت يومي متأخرا هذا الخميس، يبدو أن “الموت الأصغر” كان له حسابه المستقل عن رغباتنا الواعية…
جلست إلى مكتبي وكنتُ أُزمِعُ إعادة مشاهدة فيديو المحاضرة الأخيرة التي قدمها الفيلسوف إدغار موران يوم 6 فيفري في منتدى “Une époque formidable” بتولوز، وكنت قد شاهدته بالأمس. ولكن الصديق مهيب التومي سبق إرادتي، ونبهني عبر صفحته في الفايسبوك (بشكل غير مباشر) إلى موقع لمجلة إلكترونية لم أكن أعرفها “انتلجنسيا للثقافة والفكر الحر”. دخلت الموقع على استحياء (إلى حد تلك اللحظة لم أكن أنوي المكوث فيه طويلا)، فأبحرتُ .. بعيدا … في ثنايا مساهمات إبداعية من كل أنحاء العالم، وفي أروقة فنون عدة، وأجناس متفرقة، وأصناف كتابة مختلفة.
مدير الموقع هو الشاعر الشاب جمال قصودة، وهو في نفس الوقت رئيس جمعية المواطنة الفاعلة في ميدون (جربة) الراعية للمجلة.

قرأت قصيدة النثر للشاعر الشامي مرزوق الحلبي، بعنوان استشراف: سيناريوهات الكورونا، ثم قصة للروائية الإيطالية فرانشيسكا مارسيانو بعنوان “صمتُ روما الجديدة تحت الحجر الصحي: عن الحياة في مدينة هادئة”، ويوميات الإيطالية (من فلورنس) سارة ريجياني “عن البقاء في المنزل… أَخبِرونا”. كما قرأت عددا من المقالات القصيرة في الموقع. ليس المهم برأيي تقييم المحتوى بقدر تثمين هذه المبادرة الشبابية وذلك العدد الهائل من المساهمات التجريبية في مجالات الثقافة المختلفة.

سَالـَـتْ الفترة الصباحية من بين أصابعي دون أن أشعر بكلفة الزمن (عندي قصة مع سيولة زيجمونت باومان). لم أعد لموران، ولوقفته برشاقة وحيوية تليق بابن الثلاثين (بالرغم من أنه لا يفصله عن المائة عام من عمره سوى بضعة أشهر) وهو يسرد على مسامعنا على امتداد خمس وأربعين دقيقة تحليلا متناسقا، إرتجالا، تسلسلا، وضوحا في العبارة، وصفاء في الفكرة… ليختم على طريقة الكبار وهو يضرب بقبضته في الهواء كمن يقود مظاهرة طلابية “chers amis, prenez hardiment le parti d’Heros”.

كنت قد قررت أن أقرأ نصا للصديق علي الشابي الخبير الاقتصادي ذو الأخلاق العالية حول تداعيات جائحة الكورونا “De la crise du coronavirus: Quelques repères et suggestions opérationnelles en Tunisie”. صحيح أني لا أفهم في السياسات الاقتصادية ودروبها، ولكن وضوح الرؤية عند الرجل، والقدرة على تحويل الرؤية إلى مقترحات عملية، يجعلك تحترم العالم وتتدبر فيما يطرح، بقطع النظر إن كنت تتفق معه أو تختلف.

المشكلة في هذا النوع من الطروح أنها دائما ما اختارت التحرك من “داخل الصندوق” (رغم قوله في آخر مقاله des plans devant être envisagés out-of-the box; nous y reviendrons) وأغلقت على نفسها أبواب الحلول الجاهزة، وإن كانت معروفة بمعارضتها لتجاوزات الأنظمة النيولبرالية.

المتمعن في مجريات اللحظة “الكورونية” لا بد أن يُدرك أن حجم الدمار الذي ستخلفه لا علاقة له بالتعديلات والإصلاحات المتكررة (ومنها الإجراءات الاجتماعية التي يطالب بها الصديق الشابي في مقترحاته) التي تمكن من خلالها النظام الرأسمالي من بسط مزيد هيمنته وجبروته على الكون، أعتقد بكل تواضع أنها من سُلالة أخرى فارقة، بل يمكنني تقديم فرضية نهاية عصر ما بعد “وستفاليا” (1648 م)، كأفق للتفكير الجماعي لعصر مختلف يحتاج إلى مقاربة فارقة عن المتداول. لا أعرف كيف؟ ولا بأي أدوات؟ ما أعرفه يقينا أننا نحتاج إلى توسيع دائرة من يفكرون في المقاربات الأساسية الهادية للتفكير الشمولي، أن لا يبقى مصير التفكير في الحلول بيد الخبراء ومهندسي السياسات الذين اعتدناهم. إلى أي مدى يكون التوسيع ؟ لا أدري. فقط أنا أستشرف تحولات عميقة (جذرية) في المآلات لن ينفع معها سوى مقاربات من جنسها، لا من جنس ما مضى. ولعلي أجد في كلام الصديق محمد الشرقاوي صدى لما أذهب إليه، حيث يقول (بعد عرض طويل للإجراءات الاجتماعية التي انتهجتها مختلف الدول للتخفيف من آثار الحجر الصحي): “وتساورني الشكوك في أن هذه الإجراءات التي تأمل الحكومات أن ينتشر مفعولها عموديًّا (من أعلى إلى أسفل) ستحلُّ المشكلة. لن يتطابق المنحى العمودي، أو المنشطات المماثلة للشركات الخاصة الكبيرة، مع واقع المنحى الأفقي السلبي الشاسع للركود الاقتصادي بفعل تفشي فيروس كورونا” (أنظر تقريره المطول بعنوان = مقتطفات من التحوّلات الجيوسياسية لفيروس كورونا وتآكل النيوليبرالية). شكرا سي علي الشابي على إتاحة هذه الفرصة.

انتهى نصف يومي، ولم أبرح العتبة… الثانية ظهرا
عدتُ في الرابعة إلى مكتبي لأنفض بعض الغبار عن عزائمي… فتحتُ نصا طويلا (800 ص) كنت قد بدأت بترجمته منذ وقت، توغّلتُ فيه ببطء السلحفاة… أنهيتُ ترجمة بعض الفقرات… شاهدت فيلما بعنوان Lincoln، ونفضت يدي من أوراقي…
وأنا أغادر، فاجأتُ نفسي وهي تردد “تعَدّا النهار في تقعيد العود”.

شاهد أيضاً

الحجر التام يدل على عدم فهم الفيروس

ذاكر اللاهيذب  الأرجنتين عملت أطول حجر صحي عرفه العالم، 6 أشهر كاملة حطمت فيها إقتصادها …

رسالة عاجلة إلى من يهمّه الأمر

عبد الحق الزمّوري  وأولهم رئاسة الجمهورية التونسية: دعوة مُلحّة وعاجلة إلى ضرورة الفصل بين مساري …

اترك رد