الجمعة , 18 سبتمبر 2020

دردشات كورونا 03

محمد الصّالح السّعدي

لمن يرفع الآذان ؟
تعالت أصوات آذان الظّهر من مآذن جوامع ومساجد المدينة. شددت انتباهي ورفعت بصري نحو أقرب صومعة. تشهّدت وتابعت عبارات الآذان بالصّيغة الّتي تعلّمتها منذ سنوات. الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلّا الله، أشهد أن لا إله إلّا الله، أشهد أنّ محمدا رسول الله، أشهد أنّ محمدا رسول الله، لا حول ولا قوّة إلّا بالله، لا حول ولا قوّة إلّا بالله، لا حول ولا قوّة إلّا بالله، لا حول ولا قوّة إلّا بالله، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلّا الله. من حولي في الحديقة المحاذيّة لمقبرة بنعنين، وقف النّاس وأخذوا يتحرّكون ببطء شديد في اتّجاه سيدي البكّوش أو سيدي ابن حرز الله أو جامع القادريّة أو جامع سيدي علي بن صالح، ثمّ لا يلبث بعضهم أن يرسل من صدره زفرة عميقة ثمّ يرفع رأسه نحو السّماء ويتمتم “لا حول ولا قوّة إلّا بالله”، يكرّرها عديد المرّات، ثمّ ينصرف في اتّجاه الجامع.

إلى أين هم ذاهبون؟ ألا يعلمون أنّ كورونا أغلقت كلّ جوامع ومساجد البلاد؟ ألم يروا أبواب الجوامع مقفلة بالسّلاسل والأقفال الحديديّة؟ وما بهم هؤلاء التّجار يغلقون أبواب دكاكينهم ويتّجهون نحو الجوامع؟ ثمّ لماذا آخرون يتصفّفون الآن مع المادّة المائلة المحاذيّة للطّريق الرّئيسيّة الفاصلة بين المدينة العتيقة والمدينة الحديثة، جاعلين من الصّوامع قبلة لهم وكأنّهم يتأهّبون لصلاة الجماعة؟ ألا يرون أنّ سيارات الشّرطة تراقب عن قرب؟ لكن ماذا يفعل ذلك هذا الشّرطي الواقف على يمينها وهو مطأطئ الرّأس إلى الأرض ويداه مسدولاتان في انضباط تامّ وكأنّه يؤدّي الصّلاة؟ وماذا يفعل تاجر بنادق الصّيد وبائع المواد الغذائيّة في السّنوات الأخيرة، المقابل دكّانه لباب الجامع، وهو يقف أمام بابه وقفة المصلّي الخاشع لا ينظر للناس ولا يكلّمهم؟ وهم لا يمرّون من أمامه ولا يسألون منه سلعة أو بضاعة؟

لم أستغرب كثيرا أمر هؤلاء، فأنا أعرف أنّ الكثير منهم من المواظبين على صلاة الجماعة في هذا الجامع أو ذاك. لكن ماذا يفعل سي الشّافعي وسي الزّعل وسي التّلي هنا؟

فالأوّل متقاعد من الأمن، يقال عنّه أنّه كان في سنوات الجمر يقوم بمطارته الشّبان الّذين كانوا يبكّرون لصلاة الفجر، وأعرف أنّه الآن يقيم كلّ الفرائض ويصوم الدّهر. لماذا هو واقف لوحده يتأمّل ما يدور حوله وعيناه تكادان تفيضان من الدّمع. ولماذا الثّاني، وقد كان قبل الثّورة إمام الخمس بسيدي علي بن صالح، ثمّ تولّى السّلفيون عزله بعدها متّهمين إياه بالعمالة للتّجمّع المنحل فانشغل بالدّعاية للباجي قائد السّبسي عندما ترشّح للرّئاسة في انتخابات 2013، لماذا يتأهّب الآن ليؤمّ القوم؟ ألم يعلم أنّ الأئمّة مدعوون لإقامة صلاة الجماعة داخل المسجد أو الجامع مع إطاراته فقط؟ أمّا الثّالث وقد عرف بمعارضته الشّديدة لعودة الصّلاة إلى الجامع الكبير بالمدينة العتيقة بعد أن أشرف على تحويله إلى موقع أثري يرجع تاريخ تشييده إلى العهد البيزنطي، وتصدّي لبناء جامع آخر قربه رغم أنّ مدينتنا العتيقة لم يبق فيها، بعد تحويل الجامع الكبير ومسجد بومخلوف القريب منه إلى معلمين أثريين تمنع الصّلاة فيهما، فضاء آخر تقام فيه صلوات الخمس أو حتّى صلاة الجمعة. لماذا هو اليوم يقف على مقربة من المادّة يجيل بصره بين النّاس الواقفين قربها وصوامع الجوامع والمساجد المناظرة لها وهو يحوقل بينه وبين نفسه: لا حول ولا قوّة إلّا بالله. ولمّا أحسّ بقربي منه قال لي “لعن الله هذا الفيروس الخبيث، حتّى صلاة الجماعة حرمنا منها، أنّها جزء من هويّتنا الحضاريّة. أظنّ أنّها المرّة الأولى في التّاريخ تعلّق فيه صلاة الجماعة. لا يهم هي أزمة وستمرّ بحول الله”. لم أجبه بشيء بل أسرعت لآخذ مكان بين الواقفين إلى المادّة، لكنّي لم ألحق، فقبل أن أعتدل تناهت إلى مسمعي أصوات القريبين منّي تتبادل عبارة واحدة: السّلام عليكم، إلى اللقاء في العصر، إن شاء الله.

فكّرت في الرّجوع إلى حيث كنت لكنّي توجّهت إلى حديقة البلديّة وجلست في مقعد خشبيّ أخضر واقع تحت شجرة وارفة الضّلال وقبالتي أعلى صومعة في المدينة، ولولا ضجيج المارّة الّذي لا يتوقّف وخرير السّيارات من خلفي ومن أمامي وعلى يميني لغرقت في نوم عميق.

شاهد أيضاً

لا يا سيادة الرّئيس، بل هو احتلال وليس حماية

محمد الصّالح السّعدي  نعم، إنّ الوجود الفرنسي في تونس ما بين 1881 و1956 هو احتلال …

دردشات كورونا 7

محمد الصّالح السّعدي ها قد جاء الرّبيع… يا كورونا اليوم ضاقت نفسي وسئمت الحجر الصّحي …