تدوينات تونسية

انشطار الذات أو أبو الفتح التونسي

أحمد الغيلوفي

هناك ظاهرة لا شك أن الجميع قد لاحظها ويمكن أن نُطلِق عليها “ظاهرة ابي الفتح” وتتمثل في انشطار الذات وتقلبها وقفزها من النقيض إلى النقيض، أو تعايش النقيضين في شخصية واحدة: كأن يكون المرء “محامي اليوسفيين” ثم يقفز إلى نداء تونس، أو يكون من أشد محاربي الفساد وفي نفس الوقت -تماما كأبي الفتح- محام القروي، أو يكون مع النداء ثم يتنقل إلى سليم ثم يعود للنداء ثم يذهب للشاهد ويصبح مع القروي. أو أن يكون المرء مع الثورة هنا وضدها هناك.. أو يكون إعلاميا ومُتحيلا وسجينا ويعود إعلاميا يتحدث في السياسة والأخلاق.

الأمثلة كثيرة. أردت هنا محاولة تفسير الظاهرة اجتماعيا.

1. أبو الفتح الأول: لقد عبر الهمذاني عن أزمته الذاتية، التي هي أزمة عصره بشخصية أبي الفتح. في الأوضاع المأزومة تولد الشخصيات المأزومة: انهيار سياسي وتفكك الخلافة وصراع العصبية العربية مع التركية والفارسية. انقسام السُنّة إلى مذاهب أربعة. انقسام الشيعة إلى عدة مجموعات. انهيار كامل للسلطة المركزية: أصبحت البصرة في يد ابن رائق وفارس في يد علي بن بويه وخرجت أصبهان والري والموصل والشام ومصر والمغرب من يد الخليفة. ظهور العيارون في العراق والأحداث في الشام. انهيار للقيم والمعايير القديمة: لم يعد النسب أساسا للشرف وإنما حل محله المال. في هذا المناخ وُلدت شخصية أبي الفتح. كان مُنشطرا إلى عدّة وجوه: فهو تارة من الإسكندرية (إسكندرية داريلو قر فيها قراري) وطورا هو من كل مكان (أنا من كل غُبارانا من كل دار). وتارة هو عبسي النسب وطورا قرشي وأخرى رومي قزويني. أما سِنّه فالهمذاني تارة يصفه بـ “الشاب” وطورا بـ “الفتى” وأخرى “فاذا هو شيخنا أبو الفتح الإسكندري”. أما أعماله فهي مضرب الأمثال: إمام جامع في النهار ومزاودي في حانة في الليل..

2. أبو الفتح التونسي: هو أكذب من الاسكندري وذلك لأنه هذا الأخير يقول لك صراحة :
الذنب للايام لا لِيَ**فاعتب على صرف الليالي
فان التونسي يقدم لك فتوى “إكراهات/ تكتيك/ سياسة/ مصلحة تونس..” ولكن الأسباب واحدة: كلاهما داهمته الأحداث وتغيرت عليه المعايير فطفق يعمل لرزقه كل آلة. فهو مع الثورة ثم مع الباجي ثم عاد للثورة ثم يريد التحالف مع القروي. هو مع سوريا ضد التطبيع ومع الإمارات والسيسي ضد الاخوان. مع الثورة في السودان ضدها في الجزائر معاها في العراق ضدها في لبنان. يطلب ضمانات مع الجملي بدون ضمانات مع الفخفاخ. ضد فرنسا في تونس معاها في ليبيا. ضد الإسلام السياسي في تونس مع الإسلام السياسي في إيران. مع الحداثة في تونس مع الوهابية في السعودية.

الاسكندري والتونسي: كلاهما ممزق نتيجة لانهيار المعايير القديمة وظهور واقع جديد. أزمة الأول ناتجة عن انهيار الخلافة وأزمة الثاني ناتجة عن انهيار الدولة “الوطنية”. كان الإسكندري يرى العيارين والشطار قد أصبحوا أثرياء ووجهاء فأصبح هو يأكل الخبز من الفقه وضرب الدف والغناء، والتونسي يرى سطيش و وشواشة وجلاد “فتوشوش وتجلّد” وأصبح يأكل الخبز من الحداثة والثورة ومصلحة تونس والمقاومة ومحاربة الفساد. “اعمل لرزقك كل آلة*ولا تقعدن بكل حالة”. رحم الله أبا الفتح.

اترك رد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock