مقالات

إنّهم يتوجّسون منه.. ويخافونه ويهابونه.. فهل يباغتهم قيس سعيّد.. ؟؟!!

عبد اللّطيف درباله

هناك حالة إنتظار وترقّب وتوجّس.. وخوف وذعر.. بل ورعب.. لافتة للإنتباه.. وغير مفهومة.. في صفوف نخبة من السياسيّن والإدرايّين وكبار رجال الأعمال وبعض الجماعات في تونس.. من قيس سعيّد..!!

وبرغم أنّ رئيس الجمهوريّة اليوم لا يملك سلطات مماثلة لرئيس الحكومة.. ولا يسيطر على كلّ السلطات كما كان الحال قبل الثّورة.. بشكل يمكنه من التحكّم في الإدارة والجباية والنيابة العموميّة والأمن والديوانة والقضاء ومؤسّسات الرقابة وغيرها من أدوات السّلطة التي يمكن أن تمسّ بمصالحهم وتهدّد مصيرهم.. فإنّ بعض النخبة الفاعلة في الدولة هي في حالة قلق دائم منذ أن أعلن عن فوز قيس سعيّد بالرئاسة ذات ليلة في 13 أكتوبر 2019..!!

حتّى ليخيّل إليك أحيانا من فرط حالة الإنتظار والترقّب وهذا التخوّف والذعر.. أنّه لو كان شخص مثل قيس سعيّد أمسك برئاسة الحكومة عوض رئاسة الجمهوريّة.. أي أمسك بالسّلطة العليا الفاعلة في البلاد.. لرأيت موجة هجرة وفرار جماعيّة إلى الخارج من بعض الصفوة..!!
إلاّ أنّهم في ما يبدو.. لا يزالون مطمئنّين قليلا.. ويمنّون النفس.. بأنّ الحكومة القادمة ستعدّل الكفّة وتحميهم من سطوة “شبح” رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد.. باعتبار روابطهم الوثيقة والإيجابيّة السّابقة مع أغلب مكوّناتها.. وخاصّة مع عمودها الفقري حركة النّهضة.. وربّما أيضا مع شريكها المحتمل “قلب تونس”..!!
ممّا قد يشكّل لهم الحماية من “سطوة” رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد.. ويعيد لهم “الأمان” الذي عاشوا فيه طيلة السنوات السابقة.. بعد “فاجعة” الثّورة سنة 2011.. والكوابيس التي كابدوها إلى ما بعد إنتخابات 23 أكتوبر 2011.. قبل أن يعيدوا إستقطاب منظومة الحكم لصالحهم من جديد..!!

وأنت تحاول أن تفهم سرّ هذا الترقّب.. وهذه الريبة.. وتتساءل عن أسباب هذا الخوف والتوجّس من شخص قيس سعيّد.. يفسّر البعض لك ذلك بغموض الرجل.. وبأنّ مفاجأة أو “مفاجعة” وصوله إلى السلطة بقصر قرطاج بطريقة غير مفهومة.. رغم عدم وقوف أيّ أحزاب أو لوبيّات أو قوى أجنبيّة أو رؤوس أموال أو إعلام وراءه.. أربكهم.. وجعلهم يتساءلون دائما عن ماهيّة وسرّ “القوّة الخفيّة الغامضة” التي تقف وراء قيس سعيّد في الحقيقة.. خوفا من أن تكون تلك القوّة قادرة على القضاء عليهم أو إفقادهم مكانتهم..!!

أعتقد أنّ سرّ ذلك الخوف والتوجّس.. وربّما الذعر من قيس سعيّد.. يرجع إلى أربعة عوامل أساسيّة:

• أوّلا.. أنّ الرجل “غير مضمون”.. بمعنى أنّه غير داخل في أيّ لوبيّات.. ولم يعرف عنه ممارسة السياسة.. وليست له ارتباطات مصالح أو منافع لا شخصيّة ولا ماديّة ولا سياسيّة ولا اعتباريّة بأيّ أشخاص أو جماعات أو لوبيّات.. لا سياسيّة ولا إعلاميّة ولا ماليّة.. وبالتالي.. فإنّه في نظرهم رجل يصعب التواصل معه.. أو إختراقه.. أو إحتوائه.. أو جلبه إلى صفّهم.. أو إغرائه.. أو إستقطابه..!!
ونظرا لعدم إرتباطه بأّيّ قوى أو جماعات أو مصالح.. فإنّه لا حسابات لديه.. ولا توازنات.. ولا يمكن التكهّن بتاتا بما يمكنه فعله.. أو الإقدام عليه.. أو إقراره..!!
ولا شكّ أنّ الغموض والمجهول يلقي في قلب الشخص المقابل دوما بالخوف من ما هو غير معروف وغير منتظر.. خاصّة وإن إمتلك السّلطة..!!

• ثانيا.. أنّ الرجل أظهر شخصيّة مفرطة في الجديّة.. وبدا حازما وصارما.. وكانت لهجته حاسمة.. وهو ما شكّل لهم صدمة.. وأوحى لهم بشخصيّة فولاذيّة صارمة لايمكن التلاعب معها.. ولا ملاعبتها..!!
وإنّ بقاء قيس سعيّد منذ بروز إسمه للرأي العامّ بعد الثورة.. وطوال سنوات نشاطه القانوني والسياسي والإعلامي في ما يلي 2011.. مستقلاّ عن جميع القوى السياسيّة.. وعدم إنخراطه في أيّ قوّة سياسيّة لا من اليمين ولا من اليسار.. أظهرت أنّه شخص صلب ومستقلّ.. وأظهرت خصوصا أنّه في أعماقه غير راضي عن الطبقة السياسيّة الحاليّة وشخوصها وأحزابها.. ولا عن كيفيّة ممارستها النشاط السياسي.. وإلاّ لكان انضمّ إلى أيّ فريق أو حزب أو جماعة أو تيّار.. !!
يدلّ ذلك في نظرهم على أنّ قيس سعيّد هوشخص مختلف عن جميع الطبقة السياسيّة السّائدة التي سيطرت على السّلطة منذ سقوط بن عليّ.. وأمكن لهم إيجاد تفاهمات وتسويات وصداقات وصفقات معهم بطريقة أو بأخرى.. وهو ما سيصعب بالتأكيد فعله مع الرئيس الحالي..!!

• ثالثا.. أنّ الرجل عرف باستقامته ونظافته طوال مسيرته الجامعيّة.. كما عرفت آرائه كخبير في القانون الدستوري بعد الثورة بالنزاهة والحياد وعدم الميل إلى أيّ طرف سياسي أو إيديولوجي.. رغم عمق وشراسة التجاذبات والصراعات منذ 2011.. وأنّه لم يبحث عن الحصول على أيّ إمتياز بمحاولة الإنخراط في أيّ فريق.. وأنّ خطابه السياسيّ كان مرتكزا على محاربة الفساد.. وعلى ضرورة إحداث إصلاح جوهري للمنظومة السياسيّة في تونس برمّتها وليس مجرّد “ترميمها”.. وأنّ نصف شعبيّته جاء من الصورة التي ترسخّت عنه لدى عامّة الشعب من أنّه رجل مستقيم ونظيف وحازم ونزيه.. ومحارب للفساد.. وأنّه سيكرّس ذلك في الدولة..!!
وطبعا فإنّ الكثير من النخبة المسيطرة على مقاليد سلطة الحكم والمال والإعلام والإدارة في الدّولة.. تشكو فسادا تتراوح درجاته وتختلف أوجهه.. وإنّ أيّ خطاب سياسي.. أو سياسة.. لرجل دولة.. يقوم على محاربة الفساد.. يزعجهم ويخيفهم بالتأكيد..!!

• رابعا.. أنّ الرجل نجح في الإنتخابات الرئاسيّة بثلاثة أرباع أصوات الشعب باختلاف أجناسهم وأعمارهم ومستوياتهم الإجتماعيّة والدراسيّة والماديّة.. وباختلاف ألوانهم ميولاتهم السياسيّة وأحزابهم.. ممّا جعل قيس سعيّد يتمتّع بشعبيّة جارفة لا تتوفّر حاليّا.. بل لم تتوفّر منذ سنة 2011.. عند أيّ رجل سياسة آخر في تونس..!!
وباعتبار أنّ نظريّة قيس سعيّد وخطابه السياسيّ تقوم على منح السلطة الكاملة إلى الشعب.. فإنّ قوّة الشعب ترهب دائما النخبة وتشعرها بالخطر..!!
لأنّ طريقة إدارة النخبة لمصالحها تقوم عادة على تطويع السلطة من أجل استغلال عامّة الشعب لتحقيق المصالح والمنافع والإمتيازات والأرباح لأنفسهم.. فإن خرجت السّلطة عن النخبة.. وأصبحت في الشقّ المقابل.. أي بيد الشعب.. انتهت مكانة تلك النخبة وتفوّقها وسلطتها..!!
وهو ما يكرّس لدى تلك النخبة الخوف من رئيس الجمهوريّة بالنّظر خصوصا إلى الفكرة التي نادى بها في حملته الإنتخابيّة وخطابه السياسيّ من ضرورة إحداث تغيير راديكالي في السّلطة في تونس.. ومنحها إلى الشعب.. وهو تغيير قد يقضي في الواقع على تموقع وحقوق وإمتيازات النخبة المسيطرة على البلاد.. بما يجعلهم يستشعرون الخطرمن قيس سعيّد..!!!

إذن.. فإنّ القّوة الضاربة لقيس سعيّد.. والتي يخشاها الجميع اليوم في تونس.. إنطلاقا من الأحزاب السياسيّة المتاجرة بالسياسة.. ووصولا إلى النخبة الإنتهازيّة التي تتمعّش من خيرات البلاد على حساب العامّة.. تلك القوّة الضاربة.. تتلخّص أساسا في قدرة قيس سعيّد على إستقطاب وتحريك قوى الشعب.. وعلى جدّيته واستقامته الشخصيّة ومحاربته للفساد.. وعلى عدم إنخراطه في الطبقة السياسيّة المستقطبة وإستقلاليّته عن جميع قواها.. وعلى نزاهته التي تمنع إستقطابه بالإغراءات وبلعبة المصالح وتبادل المنافع الرّائجة لدى غيره.. وعلى صدقه وصرامته التي توحي بإصراره فعلا على تنفيذ ما وعد به..
وما وعد به قيس سعيّد عموم الشعب التونسي ليس هيّنا على الذين يخافونه اليوم..!!!

لكلّ ذلك.. فإنّ رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد.. وبرغم محدوديّة سلطاته الدستوريّة.. فإنّ الخشية منه تفوق بأشواط الخشية من الحكومة الجديدة المرتقبة المنبثقة عن الإئتلاف الحكومي بقيادة النّهضة.. باعتبار الحكومة ستكون طبقا للأمر الواقع وحالة التشتّت في البرلمان مكوّنة من قوى سياسيّة متباينة.. يصعب تفاهمها أصلا.. وأكثرها مستقطب من النّخبة الخائفة من رئيس الجمهوريّة..!!
ولو عرف قيس سعيّد إستغلال هذا الشعور.. لدى النخبة المسيطرة والمهيمنة على مقدّرات البلاد التونسيّة.. بالخوف وبالتوجّس وبالهيبة من شخصه ومن سلطته الهلاميّة غير المحدّدة حتّى الآن بفضل التداخل بين الدستوري والسياسي والشعبي..
ولو قام الرئيس سعيّد بتنفيذ بعض الإجراءات والقرارات المباغتة والممكنة.. التي لا يصعب تصوّرها وتنفيذها من قبله.. خاصّة في هذه الفترة الإنتقاليّة بين بداية عهدته الرئاسيّة في أوجّ زخمّها السياسي والشعبي.. مع عدم تشكيل وتركيز الحكومة الجديدة.. وبين سعي رئيس الحكومة القائم بتصريف الأعمال يوسف الشاهد إلى الحصول على منافع سياسيّة وشخصيّة من خلال التعاون مع الرئيس سعيّد ذي الشعبيّة الطاغية..
فإنّ الرئيس سينجح باستباق الحكومة الجديدة بفرض أعمدة سلطته الصلبة.. ليضع الجميع أمام أمر واقع جديد يصعب الإلتفاف عليه.. أو محاولة كسره أو إضعافه..!!

طبقا للمعلومات المؤكّدة بالأسماء.. فإنّ عددا كبيرا خاصّة من رجال الأعمال ومن رجال السّلطة.. يبحثون منذ دخول قيس سعيّد قصر قرطاج عن طريقة للوصول إليه بأيّ شكل.. وبأيّ طريقة.. ومستعدّين لبذل الغالي والنفيس من أجل التقرّب من رئيس الجمهوريّة وإيجاد تفاهمات معه بأيّ أسلوب وبأيّ ثمن.. علّهم يطمئنّون ويرتاحون..!!
ويقيننا.. أنّه لو بادر قيس سعيّد اليوم مثلا.. بإعداد مشروع قانون جديد لمحاربة الفساد.. وأمهل الفاسدين مدّة من الزمن لتسوية وضعيّاتهم.. وإرجاع الأموال المنهوبة إلى الدّولة.. لرأيت القوم يأخذون تلك المبادرة على محمل الجدّ.. ولبادروا خوفا وجزعا بالفعل إلى محاولة تسوية وضعيّاتهم والرضاء بدفع مبالغ ماليّة ضخمة إلى الدولة التونسيّة المنهوبة طوال عقود..
أو لرأيتهم يفرّون إلى الخارج جماعات.. وأراحوا تونس على الأقلّ من مواصلة إمتصاص دمائها حاضرا ومستقبلا بفضل شبكة الفساد المتشعّبة التي أسّسوها منذ سنوات طويلة قبل وبعد الثورة..!!!

قيس سعيّد ربّما لا يملك كلّ الآليّات الدستوريّة للسّلطة.. لكنّ الذكاء السياسي.. والقوّة الشعبيّة.. وسرعة القرار والإنجاز.. ستمكنّه من عمل إختراق خارق للمنظومة.. وتثبيت سلطته بشكل فاعل لخدمة البلاد أمام حكومة لا شكّ أنّها ستأتي مفكّكة وضعيفة وواهية.. وذلك بشكل يفوق بكثير ما أعطاه إيّاه دستور 2014..!!!
يجب ضرب الحديد وهو ساخن..!!!
فإنّ من أوكد سبل النجاح كما قيل قديما هو “إتيان الأشياء في وقتها”..!!!

اترك رد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock