تدوينات تونسية

بنية تحتيّة

منجي الفرحاني

المهندس المعماريّ هناك يعرف أنّني أعرف أنّ أسس بناياته في أحياء عامّة الشّعب جميعها فقير الإسمنت والحديد وحاصد لمحالة أحلام أطفال سيجيء آباؤهم من الرّيف إلى العاصمة ولو بعد حين، تماما مثل أبويه… هو الآن اعتنق النّمط وسكن “حيّ النّصر” حيث البورجوازيّة المؤسَّسة على دماء المفقّرين وأحلامهم وحيث روائح بائعات الهوى لسقط المتاع من الأشقّاء تتناثركجيف الكلاب..

تشابهت الأسماء فتذكّرت النّصر والاعتزاز، قريتان بوزيديّتان بناهما الفلاّڨة ذات نصر على المستعمر، ما أعظم أحلام من سمّاهما وما أحقر المآل…
الفقر والنّسيان وما طاب من التّهميش وتجاعيد السّنين جاثمين على ملامح من تبقّى من رجال ظنّوا يوما أنّهم حرّروا نسائم الوطن..

صوت الشّيشة بين براثن المهندس يشبه أنين البوتونير التي كان يرغمها على الخيانة… ملامح الخيانة المرسومة كالعهر المصفّى على وجه زوجته الجالسة على الضفّة الأخرى من الحكاية، تتجلّى كلّما انقشع عن تفاصيله الدخان بين الجذبة والأخرى..

دجاجات سود وأخرى مكلوبات يحُمن حول فنجاني فأقمع بصعوبة ثورة كويرات الغضب في دمي حتّى لا أعلّق على جهل الجاهلين بطريقتي عندما أضع عقلي في دولاب النّسيان..

وصلت صاحبة العيون العربيّة العسليّة قبل الموعد.. لم تنتظر الرّشفة الأخيرة كم قهوتي العربيّة.. هي تعرف أنّ سمائي ملبّدة بالغيوم وألاّ مزاج لي لأراقصها في قاع الفنجان..
– ما للقهوة مرّة؟!
تساءلتْ بكلّ لطف حتّى رأيت قلبها الدّافئ يسيل حنينا من عينيها على خدّيها على قلبي على قهوتي..

هي امرأة تعرف مذاق قهوتي في فمها عندما أشربها أنا من فنجاني..
هي امرأه ليست ككلّ النّساء..
هي وطني المنشود يوم أحرق كلّ جوازات السّفر..

من أجل عينيها لم أسمع “راس البغل” الذي مرّ من أمامي على الرّصيف يسبّ البوعزيزي والثّورة ويمجّد زمان الأمن والأمان عندما كان يركبه السفّاح بن علي ويضع خبزا في أحد مؤخّرتيه وعصا في الأخرى “فيرهج” في صمت..
أمّا اليوم في زمن الحريّة فما أطول ألسنة العبيد عندما يحنّون إلى العصا..
لن أقول: قدمي فيك يا “راس البغل”.. تلك أمانّيك..

عندما التقينا في القهوة القادمة، كانت تضحك ببراءة الأطفال..
تقول إنّني كنت كطفل صغير افتكّوا لعبته عندما كسّرت الفنجان على رأس البغل قبل أن ألقيه في أكياس الزّبالة..
لقد سمعتْ وشاهدت معركتي بيني وبيني مع “رأس البغل”..
قريبة إلى حدّ الشكّ هذه المرأة التي يرفض الطّفل فيّ أن يكبر في عينيها…

من “في مقهى العبث”

اترك رد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock