صالح التيزاوي
ما إن أعلن عن خبر اعتقال نبيل القروي، حتّى دخل صبيانه في هستيريا لا مثيل لها، شوّشت على حقيقة الإعتقال، وحوّلتها من قضيّة حقّ عام إلى قضيّة رأي وسياسة. فهل الأمر كما تروّج كتيبة الإعلام المضلّل؟
على جناح السّرعة ألغيت البرمجة العاديّة وأصبح نبأ الإعتقال المحور الرّئيس لجميع “البلاطوهات” التي دُعي إليها أصحاب المصالح والمنافع العاجلة والآجلة في حال وصول سيّدهم ومولاهم إلى السّلطة ليكمل الضلع الثّالث في “إمبراطوريّة القروي”. وعلى طريقتهم القديمة في التّضليل تحوّل إلإعتقال إلى اختطاف، وتحوّل اعتقاله على خلفيّة قضايا حقّ عام تتراوح بين توظيف الإعلام وتوظيف العمل الخيري وتهرّب ضريبي إلى اعتقال سياسي، فلا يعرف عن القروي أنّه صاحب فكر أو أنّه صاحب رؤية سياسيّة حتّى وإن أسّس حزبا وترشّح للإنتخابات الرّئاسيّة. وتحوّل اعتقال مواطن مطلوب للعدالة إلى محاولة بائسة لجعلها قضيّة رأي عام تستدعي النّفير العام، دعي له الرّباعي الرّاعي للحوار الوطني وربّما تمنّوا العصيان المدني إكراما لوليّ النـّعمة، وأصبح القضاء في نظر ضيوف الجمعة العظيمة الذين تمّ انتقاؤهم بعناية غير مستقلّ بل ويتّهم بالتّسّيس إمعانا في ممارسة التّضليل وخلط الأوراق حتّى أنّ أحدهم طالب بكشف الجهاز السّرّي وتثبيت التّهمة على من يتْهمهم ولن يرضى بأقلّ من دخولهم السّجن أو العودة إليه حتّى يصدّق أنّ القضاء مستقلّ.
هستيريا إعلام المافيات أنشأت مناحة وكأنّنا في يوم من أيّام كربلاء، دعوا إليها كلّ المرتزقة وحمّالي الحطب وشهود الزّور ومحترفي التّضليل، ليقنعوا النّاس بأنّ الإعتقال سياسي، فتضاءلوا إلى حدّ العبوديّة ومذلّة لا تخفي دوافعها الزّبونيّة ونفخوا في صورة “مناضلهم” إلى حدّ تشبيهه بالأنبياء والصّالحين وعمالقة النّضال ضدّ العنصريّة. فقال “كرونيكور” اتّخذ من قناة نسمة خيمة وموطنا بأنّ القروي سيخرج من السّجن رئيسا للبلاد مثل “نلسون مانديلّا”.. وكان من الأجدر به أن يتمنّى خروجه بريئا.
وتساءل بعضهم في سذاجة: لماذا الآن؟ ليوهموا الرّأي العام بجدّيّة الإعتقال لأسباب سياسيّة، مستغلّين بطريقة فجّة تزامن الإعتقال مع حمّى التّرشّحات وحمّى الحملة الإنتخابيّة. لا نتوقّع منهم السّؤال الحقيقي: لماذا تأخّر الإعتقال؟ اللّصوص وحدهم يختارون التّوقيت لتنفيذ جرائمهم، أمّا العدالة فليس مطلوبا منها أن تختار الوقت لإنفاذ قوانينها وإيقاف البغي. هل كان من اللازم على الدّولة أن تنتظر كلّ متحيّل حتّى يتحصّن بمزيد من الحصانة؟
لا يبدو العيب في أمر الإيقاف ولكنّ الخطأ واقع على من اقتحم ميدان السّياسة بطريقة تتنافى مع أخلاقيات العمل السّياسي، وخاض الإعلام بطريقة تتنافى مع قواعد الإعلام النّزيه، واقتحم باب العمل الخيري دون مراعاة لمشاعر النّاس.
مخيف ومرعب ما يقترفه إعلام المافيا!! في لحظة ضاعت شعاراتهم الكذّابة عن مدنيّة الدّولة، فأصبح فرد مطلوب للعدالة فوق القانون، وأصبح القضاء متّهما بعدم الإستقلاليّة.. وأصبحت الأقليّة المستفيدة من العلاقات الزّبونيّة أغلبيّة، وأصبحت الثّورة التي يلعنونها مهدّدة، وأضحت الدّيمقراطيّة التي لم يؤمنوا بها أصلا في خطر، أمّا الحرّيّة التي لم يؤمنوا قطّ أنّها للجميع فذبحت قربانا على صخرة المنفعة والمصلحة.
اكتشاف المزيد من تدوينات
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.