الخميس 3 أبريل 2025
عبد-اللّطيف-درباله
محامي وكاتب تونسي

تفويض يوسف الشاهد لمهامه إلى كمال مرجان.. غير دستوري.. وغير حقيقي.. وغير صادق..!!

عبد اللّطيف درباله

الشاهد يفوّض مهامه كرئيس حكومة إلى وزيره وشريكه الحزبي مرجان بطريقة غير دستوريّة.. وبمبرّرات غير حقيقيّة.. فقط ليتحرّر من عبء الدولة.. ولأخذ إجازة يتفرّغ فيها تماما لخوض حملته الإنتخابيّة..!!
أعلن رئيس الحكومة يوسف الشاهد مساء اليوم الخميس 22 أوت 2019، أنّه قرّر تفويض صلاحيّاته إلى وزير الوظيفة العمومية كمال مرجان لممارسة سلطات رئيس الحكومة مؤقّتا.
وبرّر الشاهد قراره بالتفويض إلى حرصه على حياد الإدارة خلال فترة الحملة الانتخابية التي تنتهي يوم 13 سبتمبر..
مستنكرا الدّعوات لاستقالته.. قائلا أنّه “حسب الدستور استقالة رئيس الحكومة تعني استقالة كل الحكومة.. ومن باب المسؤوليّة غير مسموح لي أن أعّطل مصالح الدولة ودواليبها.. أستغرب من بعض السياسيّين وكأنّهم غير مطّلعين على الدستور..
لغلق باب التأويلات حول استعمال أجهزة الدولة.. أعلن أنّي قرّرت تفويض صلاحياتي إلى كمال مرجان حتى آخر يوم من الحملة الانتخابية”.
يعني أنّ يوسف الشاهد بحسب مزاعمه لم يستقل من رئاسة الحكومة احتراما للدّستور..
وقام بالتفويض احتراما لحياد الإدارة خلال الحملة الإنتخابيّة..
وقد اختار وزيره كمال مرجان للقيام بالمهمّة عوضا عنه..
 أوّلا: التفويض غير دستوري ولا قانوني:
الشاهد الذي زعم أنّه لم يستقل فقط احتراما للدّستور لأنّه باستقالته ستعتبر الحكومة برمّتها مستقيلة.. هو أصلا خرق الدّستور بإعطائه تفويضا لأحد وزرائه للقيام بمهامه..
ذلك أنّ حالة تفويض رئيس الحكومة لمهامه كلاّ أو بعض ضبطها الفصل 92 من الدّستور التونسي بالفقرتين الأخيرة وقبل الأخيرة.
فهناك حالة أولى: “ويمكن لرئيس الحكومة أن يفوّض بعض صلاحيّاته للوزراء”..
وفي هذه الحالة فإنّ الأمر يتعلّق فقط بتفويض “بعض صلاحيّاته”.. أي بتفويض محدود.. لمهام محدّدة.. ولا يرتقي إلى مستوى التفويض بممارسة كامل صلاحيّات رئيس الحكومة بالوكالة..
وهي بالتالي حالة دستوريّة لا تنطبق على قرار الشّاهد بوصفه أعلن تفويض كامل صلاحيّاته للوزير كمال مرجان.. وليس بعضها فقط..
وهناك حالة ثانية: “إذا تعذّر على رئيس الحكومة ممارسة مهامة بصفة وقتيّة، يفوّض سلطاته إلى أحد الوزراء”.
وهي الحالة التي تتوافق شكلا مع التفويض الذي تحدّث عنه رئيس الحكومة الشاهد.. باعتباره فوّض كامل صلاحيّاته لمرجان طوال فترة الحملة الإنتخابيّة..
غير أنّه من حيث الأصل.. فإنّ السبب القانوني لمنح التفويض الكامل.. غير متوفّر في واقعة الحال.. طبق نصّ الدّستور ومعناه..
إذ تحدّث الفصل الدّستوري بقوله “إذا تعذّر”..
أي أنّ الأمر يتعلّق بحالة وجود مانع يتعذّر معه على رئيس الحكومة “ممارسة مهامة بصفة وقتيّة”..
والعذر بحسب ما يفهم.. هو حالة عجز وقتي عن ممارسة رئيس الحكومة لمهامه.. خارج عن إرادته.. نتيجة سبب واقعي ومادّي يتعذّر عليه معه عمليّا ممارسة صلاحيّاته في رئاسة الحكومة.. مثل المرض أو الحالة الطارئة أو القوّة القاهرة أو البعد عن الدولة أو البعد عن مركز الحكم ونحوه..
أي سبب خارج مبدئيّا عن إرادة رئيس الحكومة.. ويمنعه من ممارسة صلاحيّاته.. فيعهد بها لحسن سير الدّولة.. وللمصلحة الوطنيّة.. إلى وزير آخر.. ريثما يتلاشى ذلك العذر المانع..
لذلك فإنّ الإجازة أو العطلة مثلا.. لا تعتبر حالة مبرّرة لمنح رئيس الحكومة تفويضا بصلاحيّته إلى أحد الوزراء.. لأنّها حالة إراديّة.. ولا تصنّف قانونا كعذر..
أمّا إجراء رئيس الحكومة لعمليّة جراحيّة مثلا.. فيمكن أن تكون حالة عذر وقتيّ..
لذا فإنّ الإنتخابات والحملة الإنتخابيّة.. والمشاركة فيها.. ليست عذرا خارجا عن إرادة رئيس الحكومة.. ولا تعدّ بالتالي قانونا ودستورا مانعا أو عذرا..!!
وباعتبار أنّ الدّستور التونسي لا يفرض على رئيس الحكومة عدم الترشّح لأيّ إنتخابات.. ولا يمنعه من خوض حملة إنتخابيّة وهو في السلطة.. فإنّ خوض الشاهد للإنتخابات الرئاسيّة في واقعة الحال لا يعدّ عذرا وقتيّا بحسب ما يفهم من الدّستور..
أمّا خيار الترشّح للإنتخابات.. والرّغبة في التفرّغ لها.. والميل إلى تخصيص الوقت والجهد لخوض الحملة الإنتخابيّة الشخصيّة على تخصيصه لإدارة دواليب الدّولة.. فهو ليس عذر دستوريّ يبرّر تطبيق الفصل 92.. وتفويض رئيس الحكومة لصلاحيّاته الكاملة إلى وزير آخر..!
وبالتالي فإنّ التفويض الصّادر عن رئيس الحكومة يوسف الشاهد إلى وزير الوظيفة العموميّة كمال مرجان ليس دستوريّا.. ولا قانونيّا..
ثانيا: التفويض غير مبرّر ولا صادق:
إنّ مزاعم رئيس الحكومة يوسف الشّاهد.. بأنّه قام بالتفويض احتراما لحياد الإدارة خلال الحملة الإنتخابيّة.. هي مزاعم زائفة.. ومردودة عليه أصلا بحكم الواقع..
إذ اختار الشاهد من بين كلّ وزرائه.. وزيرا هو كمال مرجان.. الذي انصهر بحزبه “المبادرة” في حزب الشاهد “تحيا تونس”.. وأصبح يشغل رسميّا خطّة رئيس المجلس الوطني لحزب الشاهد.. وقد تحصّل مرجان أصلا على منصب الوزير بفضل ذلك.. وقد ساند ترشّح الشاهد للإنتخابات الرئاسيّة.. بل وكان معه جنبا إلى جنب في يوم تقديم الشاهد لترشحّه رسميّا بالهيئة العليا المستقلّة للإنتخابات.. وهو مشارك فاعل في الحملة الإنتخابيّة الرئاسيّة للشاهد..!!!
كما أنّ الشاهد.. وبحكم نوعيّة علاقته الشخصيّة والسياسيّة بمرجان.. واتّحاد مصالحهما.. وبرغم التفويض.. سيبقى هو رئيس الحكومة الفعليّ.. ويمكنه أن يملي على مرجان أيّ قرارات.. يتّخذها هذا الأخير.. ولا يظهر للعموم أنّ الشاهد هو من يقف ورائها..!!
ناهيك وأنّ الشاهد يمكنه (دستورا وقانونا) أن يلغي التفويض في أيّ وقت ولو قبل الأجل المحدّد منه.. لو اقتضت مصلحته ذلك..!!
وبالتالي فعن أيّ حياد للإدارة يتحدّث الشاهد من خلال تعيين كمال مرجان مفوّضا بصلاحيّات رئيس الحكومة..؟؟
ومالفرق أصلا بين الشاهد ومرجان في واقعة الحال.. في فرضيّة ومزاعم النّأي بالحكومة عن الحملة الإنتخابيّة..؟؟
لو كان الشاهد صادقا في تبريره.. وفي أسباب تفويضه لمهامه إلى كمال مرجان لضمان حياد الإدارة والحكومة.. ولرفع الإلتباس والاتّهامات عنه بتوظيف الحكومة والدولة في حملته الإنتخابيّة.. لاختار من بين الوزراء الذين يفوّض له مهامه.. وزيرا غير منخرط بحزبه.. ولا بحملته الإنتخابيّة الرئاسيّة.. ولاختار أصلا وزيرا غير متحزّب..
الشاهد في الحقيقة أراد أن يضرب أكثر من عصفور بحجر واحد..
فهو من جهة أراد أن يوهم النّاس بأنّه لم يعد يستعمل سلطاته كرئيس حكومة للقيام بحملة انتخابيّة باستعمال أجهزة الدّولة..
وهو يريد أن يعطي إنطباعا بأنّه غير متشبّث بالسّلطة.. ويمكن أن يتنازل ولو وقتيّا عن سلطاته كرئيس للحكومة..
محاولا بكلّ ذلك تسجيل نقاط تتحوّل إلى أصوات لصالحه..
لكنّ الشّاهد أراد في الواقع أن يضرب عصفورا آخر هو التحرّر من ضياع وقته الثمين زمن الحملة الإنتخابيّة في عبء إدارة الدولة..
فالشاهد سيستعمل التفويض لأخذ إجازة مقنّعة.. وسيستغلّ الفرصة ليتحرّر من مسؤوليّات وقيود رئيس الحكومة.. وما يتطلّبه الأمر من حضور ووقت وضوابط.. ليتفرّغ لحملته الإنتخابيّة تماما.. ويستغلّ كامل وقته وجهده في النزول إلى الميدان.. والتحرّك بنفسه للتسويق لنفسه.. خاصّة وقد شعر بأنّ منافسيه في الإنتخابات بدؤوا يتفّوقون عليه.. وقد يفوتونه..
لعلّ الشاهد بالتفرّغ للإنتخابات.. يلحق.. قبل أن يفوته قطار قرطاج..


اكتشاف المزيد من تدوينات

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

عبد-اللّطيف-درباله

أحيانا تكون السلطة غبيّة فتحاكم أمثال عياشي الهمامي..

عبد اللّطيف درباله فقط من أجل رأي قاله وموقف سياسي عبّر عنه بالكلام وبطريقة سلميّة.. بحيث تكشف …

عبد-اللّطيف-درباله

خير ما تفتتحون به سنة 2023: الدعاء المفيد للعام الجديد !!

عبد اللّطيف درباله اللهمّ اجعل السنة الجديدة سنة انطلاقة كما انطلاقة رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد من حي …

اترك تعليق