صالح التيزاوي
فتح القضاء ملفّ اغتيال الشّهيد صالح بن يوسف في إطار استكمال مراحل العدالة الإنتقاليّة، فثار كهنة العهد القديم وهاجوا وماجوا، واصفين المحاكمة بأنّها “نبش في القبور”، وأنّ العدالة الإنتقاليّة تحوّلت إلى “انتقاميّة”. فهل الأمر كما يروّجون؟ وهدّد ناجي جلّول الذي لا ينفكّ يفاخر بأنّه “مؤرّخ” وأنّه خرّيج “السّوربون” وأنّه صاحب “المصنّفات” في علم، ظاهره لا يزيد عن الإخبار وفي باطنه نظر وتحقيق، وأنّه حداثيّ لا يؤمن بـ “الطّابوهات” في الفكر والسّياية وكلّ ما يتّصل بحياة البشر. فهل أصبح بورقيبة الذي حكمنا سنين مديدة “مقدّسا” أكثر من المقدّس؟ وهل أصبح الخوض في فترة حكمه بما لها وبما عليها “فعلا” حراما؟ وكيف ينكر على التّونسيين بعد الثّورة تصحيح تاريخ فترة مليئة بالجراح أن يسائلوا تاريخهم وأن يعيدوا كتابته بمنطق الإنصاف وليس بمنطق الإنتقام؟
من هم المنزعجون؟ وما الذي يزعجهم؟
ليس خافيا على أحد أنّ المنزعجين من فتح ملفّ اغتيال الزّعيم صالح بن يوسف هم الذين أشعلوا حرائق الثّورة المضادّة في تونس وعملوا مافي وسعهم على استنساخ التجارب الإنقلابيّة في بلدان الرّبيع العربي وهم الذين ناصبوا العدالة الإنتقاليّة العداء منذ مراحلها الأولى ولم يتوقّفوا عن إثارة الشّبهات حولها وحول رئيسة الهيئة وهرسلتها مستفيدين من الحرّيّة أبرز مكاسب الثّورة…
ورغم حجم التّآمر عربيّا ودوليّا وصهيونيّا على الثّورة التّونسيّة فإنّهم لم يفلحوا في عسكرتها كما حدث في مصر ولم ينجحوا في الإنحراف بها إلى مسار دموي انتقامي كما حدث في سوريا واليمن وليبيا. وتأتي محاكمة قتلة الزّعيم الوطني صالح بن يوسف لتقطع عليهم وربّما إلى الأبد خطّ الرّجعة وتنسف حلمهم في القضاء على الثّورة التّونسيّة والإنتقام منها باعتبارها الثّورة الرّائدة في العالم العربي والنّاجية الوحيدة من مكر تيّار الثّورة المضادّة. أمّا السّبب الأكبر لانزعاجهم من محاكمة قتلة الشّهيد صالح بن يوسف، فهم يرون فيها تجذيرا للثّورة في الواقع، قد تستفيد منه القوى الثّوريّة التي تعتبر اغتيال صالح بن يوسف جريمة دولة تكشف عن منهج بورقيبة التّسلّطي في الحكم وأنّ مرحلة حكمه كانت قاسية ومليئة بالفظاعات. وليس فيها ما يغري بالحنين إليها أو محاولة إحيائها أو تمجيد زعيمها.
عدالة انتقاليّة وليست انتقاميّة
فتح أخيرا ملفّ اغتيال الزّعيم الوطني صالح بن يوسف وماكان له أن يفتح لولا الثّورة المجيدة، فانطلق أولاد القديمة في حملة من التّعليقات السّخيفة انتقاصا من ريادة الثّورة التّونسيّة وانتقاصا من تجربة العدالة الإنتقاليّة وإمعانا في طمس الحقائق لأنّهم يستفيدون من ذلك. يزعم “مبروك كورشيد” وهو يوسفيّ سابق، كثيرا ما عبّر عن سخطه لما لحق اليوسفيين من تصفيات واعتقالات على يد بورقيبة وجماعته.. وأحداث “صبّاط الظلام” وأخواته في سجن “برج الرّومي” وغيره من المعتقلات كانت شاهدة على حجم التّنكيل الذي لحق اليوسفيين. وصل الأمر إلى اتّهام سياسيين بارزين من الحقبة البورقيبيّة، عادوا إلى الحكم من بعد الثّورة من بوّابة الدّيمقراطيّة والتّداول السّلمي على السّلطة.. بقول من باب التّخمين وقراءة النّوايا، أنّ غاية المحاكمة ليست إنصاف صالح بن يوسف ولا محبّة في عائلته ولكن “تسجيل نقاط سياسيّة”!!!
جدير بالذّكر أنّ أولياء الدّم (ابن الشّهيد) هم الذين رفعوا القضيّة في إطار العدالة الإنتقاليّة، ولم يرفعها حزب سياسي ولا السّيّدة سهام بن سدرين، فكيف يزعم أنّ محاكمة القتلة نشأت بدوافع وغايات سياسيّة (تسجيل نقاط سياسيّة) وكيف يمكن أن نتجاوز جراح الماضي (كما يدّعي) دون معرفة حقيقة ما جرى ودون تصحيح مرحلة تاريخيّة مليئة بالأحداث شابها الكثير من التّزوير وكتبت بإرادة الغالب (بورقيبة وجماعته) وجاءت تكرّس رواية الأحداث من وجهة نظر بورقيبة وفرنسا؟!
اكتشاف المزيد من تدوينات
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.