الأربعاء , 27 مايو 2020
الرئيسية / مقالات / رمضان كوفيد… رمضان مفيد !

رمضان كوفيد… رمضان مفيد !

بشير العبيدي

#رقصة_اليراع

قلت اليوم في نفسي: غداً ينتهي شهر رمضان لهذا العام. فماذا عساي أن أكتبَ لأصدقائي القراء، بعد رمضان لم يشبه قطّ أي شهر مضى ممّا عرفنا، ولن يشبه أبداً أي شهر سيأتي؟

هل سأكتب عن الذين حضر أجلهم فرأيناهم يغادرون، أم الذين ابتلوا بالوباء فوقفوا يقاومون، أم الذين أسفوا على غلق المساجد فمكثوا يتحسرون، أم الذين نظروا فهالهم ما رأوا فهم لا يفهمون؟

الحياة وهجٌ مستمرٌّ، وتوقّدٌ لا يستقرّ. لقد مكثنا في منازلنا خلال الإغلاق الصحيّ الشامل، نشاهد السكون التام من خلال نوافذنا الصغيرة في بيوتنا التي طالما عبّرنا عن شوقنا للمكوث داخلها، ونشعر الآن أننا في صمت المقابر، غاية المنى عندنا أن يعود الصخب الذي ضقنا به ذرعاً.

في غمرة الصمت الرهيب لسبعة مليار نفس بشرية، قد تكون توارت عنا بعض الحقائق، ربما تحت وطأة المعتاد القاتل. ولقد سرح فكري في بعض المروج الخصبة، بينها ثلاثة.

الأولى: لقد واصلت الأرض عزف سنمفونيتها الثلاثية، غير مكترثة بنا

نعم، لقد توقفت الإنسانية عن النشاط الصاخب على ظهر البسيطة. لكن كوكبنا لم يكترث بنا. لم يتوقف كوكبنا الحبيب لكي يمسح دموعنا الباكية من فيروس كورونا، ويسلينا. وعلى الرغم من كل هذا السكون الأسطوري الذي دخلنا فيه بعد أن تسبب صخبنا في خرق مرعب لطبقة الأوزون، فإن سكوننا المفاجئ لنا لم يحفل به كوكبنا إطلاقا، على ما يبدو، إذ لم يمنع فسادنا وعقوقنا الكرة الأرضية التي تحملنا على قشرتها من أن تواصل الدوران بنا حول نفسها بسرعة رهيبة تصل، عند خط الاستواء، إلى ألف وسبعمائة كيلومتر في الساعة الواحدة، كما تواصل أرضنا سرعتها بأكثر من أربعين ألف كيلومتر. وواصلت الأرض السرعة حول نفسها، وحول الشمس أيضا بالتزامن، بسرعة تصل إلى مائة وثمانية آلاف كيلومتر في الساعة. وما اكتفت الأرض بذلك، بل علاوة على دورانها حول نفسها وحول الشمس، فهي مواكبة لحركة المجموعة الشمسية في رحلتها داخل الفضاء حول درب التبانة، بما يصل إلى تسعمائة ألف كيلومتر في الساعة… والطريف في كل هذا، أننا في منازلنا نشعر بالقلق والرتابة والملل من السكون التام الذي نعيشه، ونشعر بأنه يشبه صمت المقابر…

الثانية: لقد واصلت أجسادنا عملها دون أن تستشيرنا…

ونحن نعاني من الصمت في حجر صحيّ وصوم رمضاني، ما انتبهنا أن أجسادنا واصلت شغلها: مائة ترليون خلية في أجسادنا، تسندها يد عاملة أجنبية تعدادها يبلغ مائتي مليار بكتيريا وجرثومة وفيروس، لم تقرر البطالة الجزئية ولا الكاملة. واصلت عملها الدؤوب. وهذه الخلايا تتجدد كل يوم بملايين النسخ، تموت خلايا، وتحيا خلايا، حتى أن كتلة الإنسان بكاملها تتجدد كاملة، خلا خلايا الذاكرة، في ظرف لا يتجاوز خمسة عشر سنة. وهذا يعني عمليا، أن الذي عاش ثلاثين سنة، تجدد جسمه مرتين… لكن ما العمل؟ أجسادنا تعمل وحدها، بلا أزرار، ولا تطلب منا أي شيء، عدا تزويدها بكمية معقولة من الماء والغذاء من حين إلى حين، وتعمل وحدها، وتطلب -على استحياء- تفريغ الفواضل من حين إلى حين، ولا تطلب المائة ترليون خلية التي في كتلتنا اللحمية إضافة إلى ذلك سوى سويعات من الراحة في المساء، فهي تحتاج مساعدتنا دقائق معدودة كل يوم. حتى فيروس كورونا تعالجه أجسادنا بمفردها، ولا تطلب شيئا، اللهم التوقف عن التشكي والتذمر، وتتولى هي شأنه برباطة جأش ملحمية، وتخرج إليه بجيش أوله في اللعاب وآخره في الكعاب. ولا تطلب العلاج إلا إذا اتسع الخرق على الراتق، وغالب حالات عجز أجسادنا إنما هو بسبب معاملة للأجساد، شبيهة بمعاملة البشر لكوكب الأرض…

ثالثا: لقد واصلت أوهامنا طيفها دون أن تزعجنا ….

وبين أجسامنا وجيشها العرمرم وأرضنا وحفيفها المهمهم، يعمل طرف ثالث في المعادلة، وهو الخيال. لا يعبأ الخيال بعمل الجسم ولا بدوران الأرض، بل يستعمل المنصة الجسدية والمنصة الأرضية لإطلاق مكوكاته العابرة للقارات والكواكب والمجرات، فينتج المعنى وعكس المعنى، في شكل يأخذ صورا تمثيلية للحقائق والأفكار والأحلام والأوهام والآلام والأفهام. لقد صنعت أخيلتنا قصص كورونا، وعملت لها إخراجاً مرعباً، ونسبتها حينا للمخابرات الأمريكية، وحينا لانعدام الكفاءة الصينية، وحينا للعقوبات الربانية.

وإنه من العجيب أن تجتمع هذه الأخيلة وتتجاور وتتبادل الأدوار والأزرار في مخّ تآمري واحد، فتسبّب قهقهة بصوت بركانيّ لجميع الفيروسات التي تقوم بتدمير الخلايا والبحث عن ترميز الدخول إلى حدائقها الخلفية …
نحن نعيش في عصر دكتاتورية الصورة… الصورة تستقر في مدارات أذهاننا، وهي أكبر من مدارات الثقوب السوداء في الكون السحيق، وينشط لها الجسد نشاطاً غريباً، وينطلق سائراً على وجه الأرض يجري خلف أشياء يراها، فإذا وصل إليها لم يجدها شيئا … إنها الخيانة العظمى. تلك التي تجعل الجموع تعدّ شمعة عظيمة من الأمل، ويأتي وهم من أوهامنا يقول: أنا منقذكم من الضلال، فينفخ على نار فتيلتها، فيطفئها، ويعدنا بصنع شمعة جديدة، فتنطلق خيالات أخرى في نسج حلم آخر، وهلمّ جرّاً… إلى أن يفتح الجسد تحقيقاً قضائياً في سوء التدبير وسوء التفكير، ويصدر حكماً ينفّذه الأطباء، غالباً خلف الستائر، في غرف الإنعاش … “إنْ عاش”…

لعلكم افتقدتم الشيطان في كل هذا؟ أين الشيطان؟ اللعين كدنا نشتاق إليه …

لا يا أحبتي، الشياطين مربوطة في الوقت الحاضر، لا تستعجلوها، نحن في آخر ساعات رمضان. غدا ستطلق الشياطين وتعود لعملها بعد إجازة… وستعود إلى أخيلتنا… ومعها الجديد، ككل عام.

ما سلف سرده هو إنتاجنا البشري، صافٍ من عمل الشيطان وغوايته. غداً، حين تطلق الشياطين من مرابطها، سأكتب عنها وعن أفاعيلها فينا. سأكتب مثلا عن الأفلام الشيطانية، وكيف يأتي مستبدٌّ ظالم فيتبوّل علينا، ثم تأتي وسائل إعلامنا وتخبرنا عن هذا البول قائلة: الله أكبر، ولله الحمد، إنه الغيث… الغيث “النافع” نزل على الشعب ليرويه … ثم يأتي بعد ذلك كهنوت أو ثقفوت ليفتينا بأن هذا “الغيث” طاهر، يجوز الغسل به والوضوء…

سأخبر عن ذلك، لكن ليس الآن. نحن في رمضان كوفيد. كوفيد تسعة عشر، لواحة للبشر.

لا أدري هل وصل أحد إلى هذا الحد في القراءة، أم داخ أحد، أم ألقى آخر مقالتي في سلة المزابل. لكن إن بقي من لم تصبه الدوخة عند قراءة هذه الحروف، فأشتكي له: حرام علينا أن نقول أن المكان على قشرة هذه الأرض صار يشبه المقبرة في صمتها المطبق، بسبب كوفيد…

نحن نعيش في مكان لا نشعر فيه بأي شيء… أتدرون لماذا؟ لأننا صغار. نعم، نحن صغار وأحجامنا صغيرة جدّاً جدّاً جدّاً، إلى درجة تدوّخ: الأرض تدور في أفلاك ثلاثة، وتسير بنا في سرعة يتلف تخيّلها خلايا الأدمغة، ونحن نرى أن القهوة التي نحتسيها بعد الإفطار، فنرى تحرك قباب رغوتها المجهرية على سطح السلاف الأسود الشهي، بينما الأرض تسير بسرعة تسعمائة ألف كيلومتر في الساعة، والقهوة نفسها لا تتحرك أبداً… شيء مهول حقا، لو درينا…

هل دختم؟ أم ليس بعد؟ لمن لم يصب بالإغماء بعد، لي كلمات ثلاث أقولهن.

الكلمة الأولى أقولها حول محاولة الاستبداد لخلق عذرية جديدة في زمن كوفيد.

نحن البشر لا نستطيع أن نرى حقائق أعلى منا قامة وقيمة… لأننا صغار جدّاً جدّاً جدّاً على سطح هذه الأرض، حتى بحضور مائة ترليون خلية ومائتي مليار فيروس وجرثومة، تعمل بمثابة يد عاملة أجنبية في أوطاننا الجسمية المؤقتة… نحن صغار على الرغم من كل هذا.

الحقائق لا يمكن أن نراها بقامات صغيرة. نحتاج أن نرتفع، أما قرأتم عن فرعون الذي طلب أن يُبْنى له صرح عالٍ، لكي يستطيع أن يرى الأفق أو يطلع إلى إله موسى؟ هو ملك مستبدّ، ويدرك جيداً أنه حقير مقدّس، ككل المستبدّين، ويعلم أنه لا بدّ أن تكون القامات والهامات عالية بمقدار ما يكفي لكي تنحني لها جموع القطيع التي تخاف من الحرية وتتعطّش لأمن الدابة المعلوفة لأجل لحومها…

الاستبداد ذكيّ لأنه متمرّس على الدناء، وليس للدناء حدّ، فهو يعرف بالتجربة أنه صورة مخلّقة في أذهاننا، وأنه طالما ظللنا صغاراً، رأينا الأشياء تبدو منتقصة أو كبيرة أو معكوسة… وكذلك يحدث.

وبسبب هذا، توجد بعض الحقائق التي كان يفترض أن تجعلنا نستمتع في رمضان، لكننا جعلناها فرصة للنحيب المتواصل. وسأذكر بعضها.

أما الكلمة الثانية، فأقولها حول حزننا.

بعضنا حزن جدّاً لكون رمضان وفد وقصد، بينما نحن ما استطعنا أن نذهب للصلاة كالمعتاد في بيوت الله. ويعتقد بعضنا أن الله “طردنا من رحمته” لأنه غضب علينا. الغضب الربانيّ أمر محتمل جدّا. فالله يقول في القرآن: “وأكيد كيدا”. لكن هل جال في خيالنا المسطّح والمحدّب والمقعّر، أثناء جولته المكوكية في هذا العالم، وتساءل عن سبب غضب الله؟ أنا أخاف ألا يكون السبب هو نفسه في أدمغتنا جميعاً. لذلك أتساءل: هل سبب غضب ربّنا يعود لكوننا أغضبنا وليّ أمرنا الذي بال علينا وأقنعتنا وسائل الإعلام بأنه غيث نافع وأفتانا بعضهم بأنه طاهر ومطهّر للغسل والوضوء، وحين خرجنا على حاكما المستبد استحققنا ما حلّ بنا؟ أم، يا ترى، سبب الغضب هو أننا لم نغضب على فساد وليّ أمرنا ولم نكذّب وسائل الإعلام وشهود الزور الذين أفتوا؟ الأمر فيه متسع شاسع يرمي فيه الرامي.

أنا لست متأكدا. لا أدري. كلّ ما أدريه، هو أنني أشعر في هذا العالم بأن شيئاً ما أخذ مكان شيءٍ آخر، أو أنّ فراغاً ما أخذ مكان شغورٍ ما.
وهل أدري أنا؟ قد يكون المقّدس والمدنّس اختلطا على الناس في لحظة ارتخاء، فضاع المعنى بسبب أنسنة الإله وتأليه البشر؟

لا أدري، أنا.

أما الكلمة الأخيرة، فأقولها حول الحزن عن فقدان السعادة

نحن البشر نتخاصم كثيرا بيننا. فيمنعنا ذلك من الإحساس بالسعادة. وبيننا احتكاك دؤوب لا يتوقف إلا ليبدأ من جديد. لكن الاحتكاك هو الذي جعل حجارة الأودية والأنهار والبحار ملساء حسنة الشكل واللون والملمس.

ألسنا نحمل تلك الحجارة الملساء في جيوبنا، فنحب التيمّم عليها؟ أليس عند سواري مساجدنا المقفلة وضعنا تلك الحجارة الملساء بفعل الاحتكاك، وصرنا نتيمّم بها للصلاة؟

إن تلكم الحجارة الملساء مرّت عليها دهور في الاحتكاك والاصطكاك حتى صارت صالحة صعيدا طيبا صالحا للتيمّم، لأولئك الذين يريدون الدخول في صلواتهم وخلواتهم ولا يستطيعون الوضوء بالماء.

أليست فرصة الحجر تجعلنا نحاول جهدنا الخروج من الغرائز الراكسة، فنستمع للقريب ونفهم الغريب؟ لماذا نحزن؟ لقد جاء كوفيد بدرس مفيد، لا شيء يحزن من يجلس لتعلم الدرس، الحزن لا يكون إلا لراغب عن التعلم، لأن العلم مكلف، والمعرفة ثقيلة المؤنة، والجهل يوهم بالراحة، راحة المجنون من فقدان عقله، وإدراك الأشياء يجعلنا أمام مسؤولية ينبغي أن نتحملها.

بعضنا لا يشعر بالسعادة لأنه يبكي فقد عزيز في هذه الجائحة أو لسبب غير هذا، أو له مريض، أو يؤلمه الفقر والحاجة… وهذا أمر لا بد أن يكون مؤلما حقّاً. ولا يوجد شيء يمكنه أن يعوّض فقيداً عزيزاً إلا مواصلة رسالته وعمل ما كان يحبه.

إن الحزن لا يداوي، ولذلك، لا توجد صيدلية واحدة على وجه الأرض تبيعُ الحزنَ دواءً. لكن العزاء قد يضمد الجرح ولو بقي الأثر.

بعضنا يحزن بسبب الفقر، ولكن لا أعتقد أن شيئاً كالفقر يوجب الحزن، فقط لأجل أن الذي في يد الغنيّ ليس في يدي. لأنه لو تأملنا بتجرّد، لاكتشفنا أن الحزن، كل الحزن، هو أن نجهل تعاسة الثريّ المستعبد من طرف الدرهم والدينار. وها قد أخبرنا كوفيد المفيد عن حقيقة ما يعنيه التشْييء وحضارة التشْييء. نعم، كاد الفقر أن يكون كفراً، ليس لقلة المال، بل لأن الفقر الأخطر حقّاً هو الذي يركس الإنسان إلى طور الغريزة، فيمنعه التفكير. ولذلك، من كان في بيته قوت يومه، وهو آمن في سربه، فليس فقيرا في الواقع، بل فكرته عن الفقر مختلة، ومفاهيمه متأثرة ببيئة تمنع التفكير وتعتبره وجع رأس زائد.

إن أسوأ أنواع الفقر هو ألا يعذّبك الفقر، بقدر ما يعذّبك فكر الفقر. وفكر الفقر هو حين يرى المحبوس نجاته في حبسه، وحريته في حتفه.

أخيرا، يشعر البعض بفقدان السعادة بسبب غطرسة وسائل الإعلام وهيمنتها على حياتنا…. ها قد عرفتم الآن سبب كثرة وسائل الإعلام في هذا العالم. الإعلام ليس للإعلام. الإعلام لكي يريح أعصابنا من التفكير، فيعطينا أفكاراً جاهزةً. لقد علموا – الملعونين مع الشياطين – أنه لا يمكن التحكّم في الشعوب التي تفكّر. إنهم يعلمون جيدا – كما علم إبليس – أنه يسهل جدّاً التحكّم في الشعوب التي تقتني أفكارها الجاهزة دون كمامات، وماء معقّم، ومسافة احتياط وتباعد اجتماعيّ.

ولعه لهذا جاء كوفيد المفيد. ربما جاء يعلمنا كيفية التساؤل والشك والوقاية من جراثيم الأفكار الجاهزة. وهذا سبب كافٍ لكي يجعل هذا العيد مباركا سعيداً على كل نفْس لها نفَس. ليبارك الله أيامنا وأعيادنا.

✍🏽 #بشير_العبيدي | رمضان 1441 | كَلِمةٌ تَدْفَعُ ألَمًا وكَلِمةٌ تَصْنَعُ أمَلًا|

شاهد أيضاً

رمضان زمن الكورونا

صالح التيزاوي رمضان هو شهر الصّوم الواجب عند المسلمين، وهو شهر التقوى وأعمال البرّ… درج …

جنود كورونا

نور الدين الغيلوفي انتشر فيروس كورونا في العالَم مع بداية تشكيل حكومة إلياس الفخفاخ التي …