الثلاثاء , 19 نوفمبر 2019
الرئيسية / تدوينات تونسية / رأيت حبّا يولد من أوّل نظرة بين صبيّ وصبيّة ينظّفان الرّصيف بمكنسة واحدة والمكنسات كثيرة..

رأيت حبّا يولد من أوّل نظرة بين صبيّ وصبيّة ينظّفان الرّصيف بمكنسة واحدة والمكنسات كثيرة..

منجي الفرحاني

الإعلاميّ صاحب الصولات والجولات والڨعدات الذي صفعه الرّئيس الرّاحل على مؤخّرته بمشروع الأربعة حكومات لينتخب النّاس النّخلة عساها على رؤوسنا تخلى سبّه التونسيّون وسبّوا أمّه لتطاوله المستمرّ على هويّتهم وحرّياتهم وثورتهم وخياراتهم، أمطر منبر قناته بدموع التّماسيح أن سبوّني ولا تسبّوا أمّي..

قال صديقي البهلول:
– متى أصبحت تحكم على النّوايا؟ قد تكون بقايا ذرّات من إنسانيّة لا تزال عالقة في عقله الباطن أو تنفّسها على حين غفلة من زمرة من شباب يسيرون وحالة الوعي تفوح منهم مرّوا غير بعيد.
قلت:
– يجوز..
ولم أضف.
زوجة المهندس المعماريّ الغشّاش، حولاء العين اليسرى والبصيرة، تشكو غشّاشها جرايتها التي سيقضم منها مارد لم تنتخبه إسمه قيس سعيّد يوما في الشهر لمدّة خمس أعوام.
قالت:
– فاش قام نتبرّع بشهريتي للدّواعش؟
أخرج صديقي البهلول ما يشبه مكبّر الصّوت صنعه من علب الطّماطم والهريسة، وضعه بين عينها الحولاء طبلة أذنها وصاح فيه:
– قال إنّ تونسيّين اقترحوا عليه تلك المبادرة ولم يفرض شيئا على إنسيّ ولا جنّي ولا أفعى رقطاء تلدغ بهتانا مثلك.. اتفووووه عليك…
أكل نصف المكبّر وأعقبه بقهوتي ببنّها وعطر صاحبة العيون العربيّة العسليّة في رشفتها الأخيرة كأنّه يريد أن يثبت جنونه ثم رفع يديه إلى السّماء ودعى لي ربّه أن يلهمني جميل الصّبر على البلاد والحبيبة والأوغاد ثمّ غادر مسرعا دون سلام ولا كلام..
المهندس المعماريّ الغشّاش لم ينتبه إلى ما حدث مع زوجته، كان مشغولا بتحديد موعد مع صاحبته الشّابّة المتربّصة الجديدة وكيف سيعلّمها فنون الهندسة على أصولها المغشوشة المتعفّنة مثل طرقاته وقناطره وبناياته، كنت أتساءل كلّما رأيته ينظّر في شرف المهنة إن كان هو من دفن المعارض المطماطي ذات 1991 في أحد الخراسانات المغشوشة التي بناها بمساعدة زوجته الحولاء اللّئيمة..
عقّب متعجّبا بعد أن ضبّط الموعد خلسة:
– قالّو حالة وعي! موش كان نظّفوا عقولهم قبل وبعد يحكولنا على تنظيف البلاد؟!
التفتّ أنا هذه المرّة إلى ربّي في السماوات العلى وناديته:
يا ربّي صبر أيّوب.. هذا الغشّاش الأشر يتحدّث عن نظافة العقول، يا ربّي صاعقة من عندك تحرق بها مخارج حروف الغشّ والفساد عنده.. يا ربّي لا تترك له مخرجا إلاّ صعقته.. ولمّا لم يشفى غليلي صحت فيه أن:
– الشّباب الّي ينظّفوا في خراك وغشّك وطحينك أشرف منّك مليون مرّة يا منيّك…

أدركني النّادل بفجنان قهوة جديد جاء مع قصيدة الحزن لنزار قباني يغنيها كاظم:
علمني جبّك.. أن أحزن
وأنا محتاج منذ عصور
لامرأة تجعلني أحزن
لامرأة أبكي بين ذراعيها
كالعصفور..
لامرأة.. تجمع أجزائي كشظايا
البلور المكسور

سافرت مع الكلمات من عالم السّياسة إلى عالم الحبّ فرأيت ورقة خريف تحطّ على طاولتي وعصفور إشارة المرور يحدّث عصفورته عن فضل تغميض العيون في الشّفاء من صداع حركة المرور ولمّا فعلت سرق منها قبلة على عجل فضربته بلطف بطرف جناحها على منقاره فزاده حبّا.. رأيت حبّا يولد من أوّل نظرة بين صبيّ وصبيّة ينظّفان الرّصيف بمكنسة واحدة والمكنسات كثيرة.. رأيت كهلا يفتح نافدة سيّارته ليلقي القمامة ثمّ يستحي ويحتفظ بها عنده..

غير أن حالة الوعي لم تدرك قطّا شريدا يركب قطّة جاره وفأرا يسلب قطّة هاتفها الذكيّ وهو يهدّدها بساطور.. ولا ذلك الرّجل المتحوّل جنسيّا وهو يتبختر في ثيابه الشفّافة على سجّاد مهرجان السينما الأحمر لا أكاد أميّزه على النّجمات المتحوّلات إلى معزات كاسيات عاريات المؤخّرات بلا ذوق..

نظرت في قاع فنجاني فلم أجد صاحبة العيون العربيّة العسليّة كعادتها في رشفته الأخيرة.. دبّ الحزن في كلّ تفاصيلي قبل أن أحسّها تطوّقني بذراعيها وتهمس في أذني:
– أنا هنا…
كانت لحظات بنكهة الحبّ الصّافي، تمنّيت ألاّ أستفيق منها أبدا..
القهوة اللّيلة فيها السيّاسة وفيها الحبّ والأمل…

  • من “في مقهى العبث” للمنجي الفرحاني

شاهد أيضاً

قُبلة ونجمة وطفلة

منجي الفرحاني في العلبة وجدتّ فسحة أمل في زجاجة، الزجاجة في نجمة، النجمة في القهوة، …

بنية تحتيّة

منجي الفرحاني المهندس المعماريّ هناك يعرف أنّني أعرف أنّ أسس بناياته في أحياء عامّة الشّعب …