السبت , 19 يناير 2019
الرئيسية / مقالات / السترات الحمراء أو “ثورة” الإنقلابيين

السترات الحمراء أو “ثورة” الإنقلابيين

عادل بن عبد الله

منذ انهيار التوافق بين حركة النهضة وبين رئيس الجمهورية (الزعيم الفعلي لا القانوني لحزب نداء تونس)، ومع القطيعة النهائية بين رئاسة الجمهورية ورئيس الحكومة يوسف الشاهد، دخلت الحياة السياسية في تونس مرحلة من التأزم (أو التأزيم المتعمد) الذي يُذكرنا بوضع البلاد قبل انتخابات 2014. وبحكم شعوره، من جهة أولى، بخيانة “ابنه السياسي” يوسف الشاهد، وتيقنه، من جهة ثانية، بقرب نهاية ابنه البيولوجي حافظ قائد السبسي بعد فشل مشروع “التوريث”، دخل رئيس الجمهورية في معركة “وجودية” ضد خصميه الأساسيين (أي حركة النهضة ويوسف الشاهد رئيس الحكومة)، متحالفا مع الاتحاد العام التونسي للشغل لإضعاف الشاهد، ومع الجبهة الشعبية لاستهداف النهضة أساسا.

ولكنّ تقديم قضية تتهم رئيس الحكومة بالإعداد لانقلاب، والاستهداف الممنهج لحركة النهضة بملف التنظيم السري الذي هو أقرب إلى المصادرة على المطلوب منه إلى الواقع القابل للبرهنة خارج مسلمات هيئة الدفاع ومصادراتها.. كل ذلك لم يكن إلا لحظة من لحظات التصعيد التي تتبعها رئاسة الجمهورية وحلفاؤها في اليسار الوظيفي، سواء داخل المركزية النقابية أو داخل الجبهة الشعبية وملحاقتها الطلابية والجمعياتية والإعلامية. وهو تصعيد كنا في مقالنا السابق قد بيّنا أنه يستهدف إضعاف حركة النهضة في الحد الأدنى، وتأجيل الانتخابات في الحد الأوسط، أما هدفه الأسمى، فهو حل النهضة بحكم قضائي والعودة إلى مربّع 13 كانون الثاني/ يناير 2011، بل إلى مربّع 7 تشرين الثاني/ نوفمبر 1987، حيث تقوم “الوحدة الوحدة الوطنية” وكل أوهام “النمط المجتمعي” و”العائلة الديمقراطية”؛ على ذبيحة “مقدسة” أو على “خارج مطلق” (كما يسميه جاك دريدا)، وهم النهضويون بالضرورة.

المحور السعودي الإماراتي

مع تحقق نجاحات كثيرة للثورات المضادة في بلدان ما سُمّي بـ”الربيع العربي”، بدعم قوي من المحور الإماراتي- السعودي، ومع بلوغ هذا المسار الارتكاسي ذروته بانقلاب المشير السيسي على السلطة الشرعية في مصر، طمعت العديد من القوى الانقلابية بـ”تَونسة” السيناريو المصري. ولكنّ مخرجات “الحوار الوطني” المحكومة بإرادات دولية ترغب في إضعاف الثورة التونسية دون الانقلاب الخشن عليها، ألجمت تلك القوى الانقلابية وأجبرتها على الاكتفاء بإسقاط الترويكا، دون أن تسمح لها بإخراج حركة النهضة من دائرة الفعل السياسي القانوني. وقد استطاعت النهضة بعد انتخابات 2014 التشريعية والرئاسية أن تعود إلى السلطة، لكن باعتبارها “شريكا” أو حليفا للمنظومة القديمة، بقيادة نداء تونس ورئيسه الباجي قائد السبسي.

كان “التوافق” بين حركة النهضة ونداء تونس ضربة موجعة للجبهة الشعبية ولأغلب أحزاب ما يُسمّى بـ”العائلة الديمقراطية”. فقد عملت الأطراف المذكورة على اعتماد سياسة “الانتخاب المفيد”، بل انتهجت سياسة “قطع الطريق” لدعم الباجي قائد السبسي وحزبه؛ تمهيدا لتحالفات ممكنة تنتهي بإقصاء النهضة من الحكم وحصرها في دور المعارضة “الصورية”. ولكنّ قائد السبسي انقلب على انتظارات الجبهة وأقام توافقا براغماتيا مع حركة النهضة، وهو توافق أراده رئيس الجمهورية ظهيرا له في كل مشاريعه، انطلاقا من التطبيع مع رموز المنظومة السابقة، وانتهاءً بتوريث ابنه الحزب والدولة. ولمّا نقضت النهضة ما غزله الرئيس في شأن التوريث والتغوّل الحزبي لنداء تونس، وأظهر رئيس الحكومة رفضا لوضعية التابع أو الخادم لرئيس الجمهورية ولابنه، تحوّل التوافق إلى صراع مفتوح، وهو صراع أظهر أن قائد السبسي مستعد للارتماء في أحضان رعاة الثورات المضادة في المحور الإماراتي السعودي، ولو كان في ذلك نهاية مسار الانتقال الديمقراطي، بل لو كان في ذلك إمكانية للدفع بالتناقضات والصراعات نحو منطقة الاحتراب الأهلي.

“احتجاجات عفوية”؟

وبالتوازي مع المسارات القضائية والإعلامية والنقابية، يبدو أن رئاسة الجمهورية وحلفاءها سيدفعون بالتصعيد نحو الشارع، انطلاقا من تسويق حملة “السترات الحمراء” التي لا يخفى أن وراءها التحالف ذاته؛ الذي يقف وراء سائر الملفات الصدامية ضد النهضة وحكومة الشاهد. و”السترات الحمراء” هي حملة احتجاجية تحاول تقليد احتجاجات “السترات الصفراء” في فرنسا، ولكنها تختلف عنها من جهة أنها ليست احتجاجات عفوية، بل هي أقرب ما تكون إلى صراع الأجنحة بين مراكز النفوذ في الدولة. إننا أمام شكل من أشكال “تونسة” الأفكار الأجنبية ومظهر من مظاهر المحدودية أو الاتكالية الإبداعية. ولذلك، هي تمثل امتدادا لأنظمة تسمية مسروقة ومسقطة، ولكنها ما زالت تتحكم في أغلب المنتجات الرمزية التونسية، بدءا من “النمط المجتمعي” الذي هو تَونسة مشوّهة لقيم الجمهورية الفرنسية، وانتهاء بـ”ثورة الياسمين”، تلك التسمية التي أُسقطت على الثورة التونسية بحثا عن توجيه مساراتها واختزال مآلاتها ما قبليا في تلك الثورة المغدورة في رومانيا.

عندما اختار الفرنسيون “السترات الصفراء” رمزا مرئيا للتعبير عن احتجاجهم على الإنترنت، منذ أيار/ مايو 2018 وفي الشوارع منذ 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، فإنهم قد استعملوها لجذب انتباه الحكومة إلى مطالبهم المشروعة (مثلما يجذب اللون الأصفر عالي الوضوح انتباه الناس، ويجنبهم المخاطر في العديد من الوضعيات والمهن). وقد حرص المتظاهرون على التمايز عن كل الأحزاب والنقابات، حتى تبقى حركتهم عفوية، ولا تكون سلّما لبعض الأطراف السياسية لتحسين شروطهم التفاوضية مع النظام.

أما في تونس، فإنّ “السترات الحمراء” التي استثمرت رمزية اللون الأحمر (باعتباره مشتركا رمزيا بين اليسار والتجمعيين)، فإنها لا تمثّل إلا لحظة من لحظات تصعيد جناح سلطوي (رئاسة الجمهورية) ضد جناح رئيس الحكومة ورئاسة النهضة، ولا يمكن مقارنتها بالاحتجاجات الفرنسية من جهة عفوية التحرك ولا من جهة غاياته. وقد نجح الرئيس في بناء “تحالف” ما بعد أيديولوجي؛ يضم أطرافا يسارية سياسية ونقابية وجمعياتية، كما يضم أطرافا ليبرالية برجوازية تشترك جميعها في معاداة حركة النهضة ومحاولة استئصالها، أو على الأقل تحجيم دورها السياسي إلى أقصى حد ممكن. وقد استثمر هذا “التحالف” قاطرة إعلامية رئيسية هي قناة نسمة لمالكها نبيل القروي الذي كان (بشهادة عامر العريّض أحد قياديي حركة النهضة) أحد عرّابي لقاء باريس بين “الشيخين”، ثم كان بعد ذلك المنبر الإعلامي الأهم لدعم الرئيس الحالي خلال حملته الانتخابية، وأصبح بعد ذلك أحد أهم معارضي رئيس الحكومة لأسباب تتعلق ببعض الملفات الضريبية أساسا.

السيناريو المصري

ختاما، من المتوقع أن تستثمر حركة “السترات الحمراء” الاحتفاليات القريبة بثورة 17 كانون الأول/ ديسمبر المجيدة كي تركب على مطالب شعبية حقيقية، تلك المطالب التي لا يمكن الشك في شرعيتها، ولكنها مثار شك كبير من جهة الأطراف التي تدعي تمثيلها.

فعندما يتحالف من اعتبروا انقلاب السيسي على الحكم الشرعي “حركة تصحيحية” وعملية إنقاذ للشعب المصري (الجبهة الشعبية والباجي والاتحاد وبعض رجال المال والإعلام المشبوهين)، وعندما يتحالف الذين أسقطوا حكومة الترويكا كي يُمهدوا الطريق لعودة الأزلام بقيادة نداء تونس وزعيمه الباجي، وما يمثله ذلك من عودة المركّب الجهوي- الأمني- المالي إلى مركز السلطة، وعندما يتحالف المتهرّبون من الضرائب والهاربون من صناديق الاقتراع والرافضون لمنطق الشراكة بين العلمانيين والإسلاميين، وما يعنيه ذلك من إعادة توزيع أكثر عدلا للسلطة والثروة، فإننا لن نجانب الصواب إذا ما اعتبرنا أن “الثورة الثانية” التي يُبشر بها هؤلاء لن تكون إلا “تَونسة” للسيناريو الانقلابي الدموي المصري. ولكن فرص نجاح هذه الفرضية (في السياقات الإقليمية والدولية الحالية) تبدو شبه منعدمة مهما كابر رئيس الجمهورية وحلفاؤه، ومهما رفضوا الاعتراف بأنه وابنه قد أصبحا جزءا من التاريخ السياسي لتونس، ولن يكونا أبدا جزءا من مستقبلها.

“عربي21”

شاهد أيضاً

أتحدى كل النخبة “الحداثية” الرسمية

عادل بن عبد الله أتحدى أتحدى كل الذين ينتسبون إلى النخبة “الحداثية” الرسمية -بسياسييهم وإعلامييهم ...

فضل الثورة في إظهار معادن الرجال والنساء

عادل بن عبد الله لو لم يكن من فضل للثورة إلا إظهار معادن الرجال والنساء ...