الأربعاء , 19 ديسمبر 2018
الرئيسية / مقالات / رحلتي إلى ربوع قرغيزيستان !

رحلتي إلى ربوع قرغيزيستان !

بشير العبيدي

#رقصة_اليراع

تطوفُ بالمرء الأيّامُ، وتستدرجه الأقدارُ إلى أرض لم يَدُرْ بخلده يوماً أن تطأها قدماه! وهذا ما كان لي حين امتطيتُ طائرة الخطوط التركيّة وشرّقتُ من باريس في اتجاه ربوع قرغيزيستان، تلك البلاد التي أخفتها الجغرافيا بعيدا عن متناول الأطماع، ربّما لكي تدّخر لزائريها يوماً بهاءً طبيعيّا، يستنشقونه في نقاهتهم، حين يصير هواء مدنهم وقراهم دخانا ملوّثا بنفايات ما بعد الحداثة…

ولا حاجة لزائر هذه الربوع إلى أن يتقن اللّسان القرقيزيّ ولا اللّسان الرّوسيّ لكي يتواصل مع سكان هذا الإقليم البالغ عددهم زهاء خمسة ملايين نسمة! فالحظّ السعيد يجعل في طريق العابرين ههنا أناسا على السجيّة يفهمون لغة عيونك، ولهم سليقة يأوّلون بها حركة جسدك، ولهم قيافة يترجمون بها نبضات قلبك…

وحين احتجتُ أن أبادل النّاس ههنا بعضا ممّا جال في نفسي من عبارات الودّ وعبق المحبّة، وجدتُني في حضرة عدد محترم من الأساتذة، من بين خيرة من تمرّست ألسنتهم على اللّسان العربيّ الفصيح، أشعروني للوهلة الأولى أنّ الذي جئتُ من أجل إنجازه قد سبقني النّاس إليه أشواطاً، وأنّ النّاس ههنا تراقصهم الأشواق أن تنساب العربية على ألسنتهم كما تنساب المياه في قنوات جداولهم. كيف لا، وشعب قرقيزستان يدين بالولاء لدين محمد النبيّ العربيّ، ويتمنى كلّ فرد منهم الأماني أن يتكلّم اللّغة التي بها نزل آي السّماء، تلك السّماء التي تغدق على قرقيزيا كلّ يوم نفحات من رحمة الرّحيم، وتنزّل عليهم كلّ ليلة بركات من ستر الحليم، تتناغم مع أدعية ناس المساجد، ترفعها الصوامع العالية التي تناطح الجبال وتنافسها في ذكر خالقها ومدبّر أمرها…

ورغم مرور الأحقاب وتتابع المحن، فإن الزّائر لهذا الشعب الأبيّ يقرأ في وجوه أهله أدلّة على خير عميم، فهم قد حافظوا على حرّية غالية عزيزة، وأقاموا عدلا إليه يرجعون في شؤونهم، وانتقوا من أحزابهم حكاما مستبصرين، يعرفون قدر شعبهم، فنالهم من شعبهم الاحترام والتقدير. تراهم يعطون حقّ كبيرهم من الاحترام حتى في الطّعام لا تمتدّ إليه أيديهم حتّى يأكل كبار القدر منهم، وتراهم لا يلقون بباقي الطعام؛ بل يدّخرونه ولا يسرفون، حتى في المطاعم، يلفّون البقايا في صرّة ويعطونها للمستطعمين؛ يحملونها إلى بيوتهم.

ولقد استقبلني الأساتذة العرب المقيمون عندهم، فرأيت بعضهم يقفون على مشروعات إنمائية لم يسبق لي أن رأيتها قطّ، من بناء للمرافق والمباني، ورعاية للأيتام، وتعليم للشباب، وجهود عظيمة لافتة، هي ترجمان لفكر فذّ متنوّر، فعلمتُ أن الحاجة عظيمة في بلادنا إلى الحرّية التي هي شرط الإبداع والإمتاع، وزادت قناعتي بأولوية الحرية على ما سواها. وحين زرت جامعة عربية في العاصمة بيشكك، رأيت الأساتذة العرب الأجلاء، الذين أتعلّم منهم ويجوز أن أكون أحد طلابهم، يخرجون لاستقبالي في باب مؤسستهم، ويحتفون بي أمام رئيسهم احتفاء منقطع النظير، جعلني أنظر إليهم بعين الإكبار والإجلال. ولقد استقبلني القرقيز من مسؤوليهم الجامعيين، فرأيت مديرة الجامعة تخرج في موكبها عند بوابة جامعتها تستقبلني في حشد من الشباب بالخبز والقشدة التقليدية، وفريق كامل من شبابها يحتفون وهم في أزياء زاهية، تذكّر بأزياء الآباء والأجداد والأمجاد، كأنّها ملكة تستقبل زائرا عظيما في مملكتها، وكأن شباب جامعتها شعب محبّ يرفع من شأن ملكته في عيون زائريها.

وقفت خلال زيارة من تلكم الزيارات في فصل أمام شبان يتعلّمون اللّسان العربي عند أستاذة من بلاد المغرب الكبير، فتبادلتُ معهم كلمات المودّة بالعربية، فإذا بأحدهم يسألني أن نتقاسم معهم أحلامهم ونتشارك رغبتهم في أن يلتقوا بِنَا باستمرار، ثمّ أخبرتني أستاذتهم بعد انصرافي أنهم قالوا لها : هذا الرّجل متواضع لأنه قدّم نفسه باسمه دون ألقاب، وبشوش لأنه كلّمنا مبتسماً ! كما أن الشّباب الذين وقفت بين أيديهم مدرّبا لمدة أسبوع لم يرضوا بتوديعي في الفندق، حتّى نهضوا فجرا في ليلة ثالجة، تركوا دفء الفراش ونعيم النوم، وآثروا أن يأتوا لتوديعي في مطار العاصمة بيشكك، كما فعل معي يوما أهل حلب الشهباء، فزاد يقيني أن اللغة الإنسانية المشتركة هي لغة القلب، فما خرج من القلب وقر في القلب !

قريغيزستان أرض على طريق الحرير، تنعّم جبالها بديباج الثلوج، وريّ سهولها من ماء عذب رقراق، ولباس أرضها من حلل الأشجار المثمرة والأعشاب المداوية. أرض طيّبة خصبة، لمن يهيم قلبه بزراعة مثمرة نافعة.

ولقد غادرتُ قرغيزيستان وأنا أنشدُ:

أهداني أهل قرغيزستان عسلاَ،
وقالوا : استقيناهُ من شهدٍ
جاورَ نحلُهُ الجبلَ !

أرسلتْ عيني من مودّتهم بللاَ،
فعانقوني ورسموا للحبّ
على وجهي القُبَلَ !

وسألوا : متى تعود إلينا مرتحلاَ،
فأسكتني الصمتُ،
وخشيتُ أن تفضح رغبتي العجلة !

سأعود إليكم كالخطّاف منتقلاَ،
بين الرّبيع الزّاهر الألق،
وبين فصول الجني لمن عملَ !

✍🏽 #بشير_العبيدي |ربيع الأنور 1440 | كَلِمةٌ تَدْفَعُ ألَمًا وكَلِمةٌ تَصْنَعُ أمَلًا |

  

شاهد أيضاً

أمّ سهيل وألعابها التعليميّة !

بشير العبيدي /|\ #رقصة_اليراع إذا هممتَ بملاقاة أمّ سهيل، أو تقاطعتْ سكّتك يوماً بسكّتها في إحدى ...

عندك منقالة ؟ أنا أيضا !

بشير العبيدي /|\ #بسمة_اليوم| في مناطق من المغرب العربي، يطلق النّاس على ساعة اليد كلمة “مِنْقالَة” ...