الخميس ، 20 سبتمبر 2018
الرئيسية / تدوينات / مقالات / أحكام الإعدام جريمة دونها جريمة رابعة

أحكام الإعدام جريمة دونها جريمة رابعة

أبو يعرب المرزوقي

سكوت ما يسمى “النخب” المصرية على أحكام الإعدام الحالية، إن تواصل يعني أن مصر وصلت إلى الحد الذي لم يعد بالوسع خروجها مما هي فيه إلا بحرب أهلية مدمرة، أمامها ما حدث في سوريا يعتبر لعب أطفال.

فهذه الأحكام جريمة أكبر من جريمة رابعة، ليس من حيث الكم، بل من حيث الكيف والدلالة.
وهي خاصة جريمة وفضيحة لكل النخب العربية، وخاصة تلك التي تدعي الكلام باسم الحداثة وحقوق الإنسان وتسمي نفسها “جبهة الديموقراطيين” كما في تونس:
فهم يؤيدون السيسي وحفتر وبشار والملالي ومن صاروا حلفاء الحاخامات من أنظمة الثورة المضادة التي تمولهم ويتكلمون على “تحريم حكم الإعدام”.

وكل من يأمل في رد فعل غربي على مثل هذه الجرائم حالم.
فالأنظمة الحاكمة في أوروبا، وخاصة في أمريكا، باتت تحلم بما توفره لهم الأنظمة العربية من استعادة امبراطورياتها في بلاد العرب لأن كل ما عداها صار أصحابها رجالا أحرارا بخلاف طراطير العرب وتوابعهم من أدعياء الانتساب إلى النخبة.

وعندما استعملت كلمة سكوت، فليس معنى ذلك أني أدعوهم للاحتجاج بالكلام من جنس ما أراه من “تنكيت” أشبه بالمزاح في الكثير من تعليقات تشبه ثرثرة حزب الكنبة بالمصطلح المصري حتى وهم في المهجر.

مصر لم يعد يداوي أدواءها الكلام، بل لابد من الفعل الذي مثاله الوحيد هو ما قام به الشعب التركي.
أما إذا بقي في مصر من لا يزال يعتقد أن حقده على الإسلاميين يجعله يقبل اخراج مصر من التاريخ والجغرافيا، وجعلها ولاية إسرائيلية يقودها عميل، ولعله ابن يهودية، فمعنى ذلك أن ما يجري للشعب المصري عقاب إلهي لشعب فقد معنى الكرامة والحرية والرجولة وصار أذل من العبيد.

إذا لم ينزل الشعب ويحتل الميادين ليخرج الجيش الفاسد من الحكم، فهو يستأهل كل ما يحصل له، وسيجوعه المستبد والفاسد وعديم الرجولة الذي يسمى بلحة لأنه عسكري بالاسم:
لم يحارب أبدا إلا شعبه الذي هدم كل شروط حياته الكريمة، وإذا واصل مساره دون إسقاطه قبل نهاية هذه الدورة، فستسقط مصر قبله.
أما بقية طراطير العرب، فالعالم كله من حولهم يتصالح كما نرى بين الحبشة ومن حولها، لكنهم صاروا أشبه “بحارزات الحمام” كل أموالهم تذهب للتشهير ببعضهم البعض، وذلك في المشرق والمغرب على حد سواء.
فالخلاف في الخليج ليس بدعا، لأن الخلاف في المغرب أسوأ، إذ هو في الحقيقة يقزم الجميع.
فالجزائر التي تعادي المغرب بدعوى حرية الصحراء، لن تنتبه حتى تصبح الجزائر نفسها صحراء لأن هذا العداء بين أكبر بلدين في المغرب هو فرصة فرنسا وإسرائيل وإيران لاختراق المجتمعات المغربية كلها، وقد بدأوا بفتنة لو تواصلت لا قدر الله، فإنها ستنهي وحدة هذه الاقطار مثل العرقيات والطائفيات.
وكلما التقى الأفارقة في قممهم، كان اهم مشكل هو صراع عرب افريقيا، وفوضاهم صبيانية عقول قياداتهم.

ونفس الأمر نراه الآن يجري في الخليج، وهي فرصة إيران الذهبية حتى تواصل الاختراق.
وقد تأتي لحظة يكتشف فيها الخليجيون أن من يبدو لهم سنة اليوم، هم في الحقيقة شيعة متقية تنتظر لحظة الانقضاض.
ألم نكن نتصور العراق ذا أغلبية سنية؟
أين ذهبت هذه الأغلبية السنية؟
ألم تكن تسننا ظاهريا ينتظر الانقضاض، فلما جاءت، انعكست الاغلبية فصار كل شيء بيدهم؟
ما بال العرب السنة اغبى شعوب الإقليم؟

من يدري، فقد نكتشف أن مصر أيضا اغلبيتها شيعة ومسيحيون والبقية في صدام حضاري بين الكاريكاتورين.
فبقليل من بعد النظر والدبلوماسية، كان يمكن للجزائر في المغرب وللسعودية في الخليج ولمصر في حوض النيل أن تكون قوى توحيد ومصدر قوة، لكن الغباء السياسي و”العصبية” القطرية أدت إلى أنهم جميعا تخلوا عن شروط التحرر، لأن كل ما أنفقته الجزائر مثلا للتصنيع ضاع بسبب هذا الغباء القطري.

وقس على مثال المغرب الخليج وحوض النيل والهلال، وبذلك صار العرب أغبى شعوب الاقليم وأقلهم وعيا بشروط التحرر.
وما تراه بين الأقطار ما يوجد فيها أدهى وأمر.

كنا نتصور أن الانظمة القبلية أرحم من الانظمة العسكري. لكنهم الآن صاروا جميعا في الهوى سواء: تفلوا في أفواه بعضهم البعض.
وبدلا من إصلاح شؤونهم، فضلا عن تكوين “سانت أليانس” ضد شباب شعوبهم، أي ضد المستقبل، فصار ما ينفقونه في منع تحرر شعوبهم والاعتماد على مخابرات إسرائيل وإيران اساسا لحكمهم الذي لا يمثل أدنى سيادة، بل هو عبيد لمن يحميهم في القواعد ولمن يشير عليهم في بلاطاتهم الخربة والمهتزة.
وهكذا ضاع العراق ثم سوريا ثم مصر ثم السعودية التي هي في نسبة الجزائر للمغرب، والسعودية ليست بعيدة عن مآل العراق، وهم أضاعوا اليمن،
ومعنى ذلك أن العرب عادوا إلى أكثر مما كانوا قبل الإسلام:
قبائل تتناحر وعندما ينتهي عصر البترول ستصبح قبائل تتناهب وتتغازى كما كانوا قبل الإسلام.
عندما أرى “كلاب” جبهة الانقاذ التي مهدت للانقلاب في مصر، وكلاب جبهة الانقاذ في تونس محاكاتها لولا فضل بورقيبة في تكوين جيش وأمن جمهوريين، ولما نرى ما يفعل حفتر وما يفعل بشار القرد وليس الأسد بما كنت أعتقد أنه قلب العروبة، فإذا به يصبح نادي أعدائها باطنية وصهيونية وصليبية وغربية وروسية…

وعندنا في تونس من لا يختلفون عن هذا الخليط من أعداء الأمة وتاريخها، وغالبيتهم من أعشار المثقفين الذين يزعمون التحديث في القشريات، وهم في الحقيقة من جنس “الحركيين” الذي لم يغادروا مع الاستعمار المباشر، بل صاروا أدوات الاستعمار غير المباشر، هم من يفتت المغرب والخليج والهلال والنيل.

وقد أخطا الثوار أكبر خطأ عندما تصوروا الثورة يمكن أن تنجح إذا بقيت قطرية.
كان ينبغي أن يجعلوها قبل الثورة المضادة حربا على الحدود التي وضعها الاستعمار لمنع شروط النهوض المادي والعلمي والروحي والاستئناف التاريخي من أجل مستقبل شبابنا الذي لن يحتاج للانتحار في البحار.

وختاما، فإن الشعب المصري إذا لم يثر بحق مثل الشعب التركي فيخرج مجرمي الجيش ويرجعهم إلى ثكناتهم ويصفي من اخترقهم حتى يجعلهم حربا على شعبهم، فإن ما يحصل له درس تاريخي لعله يوقظ فيه همة الحرية والكرامة فتكون حينها ثورته جديرة بمن يحق له أن يفاخر بـ7 ألاف سنة من الحضارة.

شاهد أيضاً

الباجي يتغذى من الفوضى النافعة

محمد الجلولي الفوضى هي أن تتداخل الألوان فلا نرى الأبيض والأحمر والأخضر والأزرق والاصفر بل ...

اترك رد