الإثنين , 17 ديسمبر 2018
الرئيسية / تدوينات تونسية / من حواسيب أبي الهول إلى فشل الدينار الالكتروني

من حواسيب أبي الهول إلى فشل الدينار الالكتروني

كمال الشارني
عن علاقة الإدارة غير الأخلاقية بالتقنية: من حواسيب أبي الهول إلى فشل الدينار الالكتروني
على هامش تسجيل التلاميذ عن بعد وازدحام البريد، تذكرت علاقتنا غير الأخلاقية مع التقنيات الحديثة منذ ظهورها، تذكرت أيضا عندما زارنا آل غور نائب الرئيس الأمريكي قبل 20 عاما مبشرا بالطرقات السيارة للمعلومات وبمستقبل الرقمنة ودعا إلى أن تكون تونس لجغرافيتها الفريدة في قلب هذه الثورة، فسخرنا منه، وفيما كانت الحواسيب الشخصية تنتشر في العالم ومعها شبكة الشبكات، اختار مسؤولون تونسيون أن يستثمروا في زبالة تقنية فرنسا “المينيتال” التي تخلت عنه، وبعد خمسة أعوام فقط رأيت في جهة الملاسين جبلا من آلات المينتال التي لم تشغل أبدا خردة مكومة تحت المطر، تمنيت لو رموا معها من أمر بشرائها من أموال الشعب. وبعد كذبة المينتيال الميت، اخترعنا أكاذيب كثيرة: التجارة الالكترونية، الدفع الالكتروني عبر tpe، الدفع عبر الهاتف الجوال (هذه تقتل ضحكا لأنها أطلقت عام 2006 ولم تعمل أبدا)، ولم يبق إلا الدينار الالكتروني للبريد الذي يثير سخرية العالم منا، لأنه يقف معاقا أمام منظومة Paypal مثلا، لا تزعجوا أنفسكم عن السبب: دولة الإدارة. وعندما فرضت علينا التقنية فرضا، اخترعنا خدعا غير أخلاقية من نوع: “الريزو طايح”.
الريزو ليس طائحا، إرادة الدولة هي الطائحة لأنه ليس مهما لمسؤولي الدولة، ذلك أن دولة أستونيا التي استقلت عام 1991 وليس فيها سوى مليون و300 ألف ساكن تحت حالة الفقر المدقع قد حققت حين أرادت أول اقتصاد رقمي في العالم، وألغت كل الوثائق والأوراق الإدارية والنقدية (ومعها الرشوة)، وخصوصا ألغت عبارات غبية من نوع الريزو طايح وأرجع غدوة، المدير مش هنا، والمرا الي تصحح في العمرة، وإلى عنده الملف في عرس بنته، خويا الموظفين الكل خرجوا يفطروا.
صراعنا العبثي ضد التقنيات الرقمية بدأ منذ وقت مبكر، أنا أدركت الحواسيب التي لم تكن تتضمن قرصا صلبا بل قارئي أقراص ذات 5 بوصات ونصف وشاشة ذات لون أخضر وبطاقة شبكة، وكان يمكن الانطلاق من هناك، إلا أن الإدارة التونسية تعاملت معه على أنه “أبو الهول” الرهيب، لا يتعلمه ولا يمسه ولا يكلمه أو يقترب منه إلا كبار الكهنة، وعندما حلت ثورة حواسيب أي بي أم مع ويندوز 3.11، اكتفى الموظفون منها بلعبة الكارطة (إلى اليوم) متجاهلين بطاقة الشبكة والامكانيات الرهيبة للتواصل بسرعة الضوء بين الإدارات، أما الانترنيت، فقد كانت بدايتها أصعب وعلاقتنا بها أكثر شناعة، كان مجرد فتح بريد الكتروني تهمة، الحصول على ارتباط بالأنترنيت أصعب من شراء سلاح ناري أما إنشاء موقع فيتطلب دعم وزير، جنرالات المنع لم يفهموا أيضا كلمة “آل غور” عندما تحدث عن ثورة تطيح بالحدود الجغرافية والمعرفية كان يمكن استباقها والإثراء منها. النتيجة إعاقة مستديمة في علاقة الإدارة بالتقنية، الجامعيون التونسيون لم يكتشفوا الرقمنة والعمل عبر الشبكات إلا عام 2000، حتى اليوم، ما تزال أكثر كلمة ترديدا في الإدارات التونسية هي “الريزو طايح”.

شاهد أيضاً

من قلة الخيل أسرجوا الكلاب

كمال الشارني أحد وجوه مأساة فشل الصحافة في تونس هم الدخلاء والهواة، منذ أكثر من ...

إعتذار اليعقوبي لا يكفي

كمال الشارني “بعد الاعتداء على صحفية بقناة الزيتونة: اليعقوبي يعتذر من الصحفيين، وينتقد تعاطي بعض ...