الخميس , 15 نوفمبر 2018
الرئيسية / تدوينات تونسية / الانتخابات البلدية التونسية… هل للمقاطعة من معنى ؟!

الانتخابات البلدية التونسية… هل للمقاطعة من معنى ؟!

بشير العبيدي
#أقولها_وأمضي
أيام قليلة فقط تفصلنا عن الانتخابات البلدية التونسية، وهي أول انتخابات محلية تعددية حقيقية تتم في تاريخ البلاد التونسية، وربما البلاد العربية.
ومع ذلك، بعض المواطنين ينادون بمقاطعة هذه الانتخابات، مما يستدعي التذكير بجملة من الأمور، لعل ذلك يساهم في توضيح الرؤية، وتثبيت بعض المعاني.
أولا : أن ينادي مناد بالمقاطعة، فذلك حقه الكامل في نظام حرّ وتعدّدي، فلا فائدة في التشنيع على أصل الفكرة، بل الأهم هو النظر في جدواها. وما أشرحه هنا هي وجهة نظر تبين مواطن الضعف في موقف المقاطعة، وليس تشهيرا برأي مخالف.
ثانيا : يمكن أن يكون لمقاطعة الانتخابات بعض التأثير السياسي في حالة وجود الأنظمة الاستبدادية لعزل الحاكم وتعرية مشاريعه السياسية الطاغوتية. كما يمكن للمقاطعة الكبيرة أن تؤثر في الأنظمة السياسية الحرة المستقرة، وتجعل من شرعية الفائزين شرعية منتقصة وقرارات السلطات ضعيفة ومحدودة. أما في صورة الأنظمة التي تتلمّس طريقها، لا هي استبدادية طاغوتية ولا هي حرّة ومستقرّة ومستقلة القرار، وهي الحالة التونسية بامتياز، فإنّ المقاطعة تؤدي موضوعيا إلى خدمة أهداف أعداء الحرّية وتساهم في تسفيه أحلام من ناضلوا عشرات السنين من أجل الحق في المشاركة السياسية، ولا معنى لهذه المقاطعة إلا في مزيد نشر ثقافة الإحباط، وإعطاء إشارات سيئة جدا للجيل الشبابي الذي يقود التغيير.
ثالثا : القول بأن العرض السياسي التونسي للمترشحين الحاليين في جميع القوائم لا يحمل برنامجا ولا رؤية ولا طرحا، وأن الحل هو المقاطعة، يحمل في طياته تناقضا خطيرا، إذ لا يوجد الْيَوْم حزب ولا تيار ولا فكر إلا وسمحت السلطات له بالعمل العلني القانوني، بما في ذلك التيارات المغالية. فمن أين يأتي العرض السياسي المختلف عن الموجود إن رفض البعض المشاركة؟ إن المقاطعة تصبح لعبة سهلة لحاملي لوائها ولا معنى لها غير السلبية.
رابعا : الذين يتذمّرون من المترشحين الحاليين أو من المسار برمّته أريد أن أسألهم : من أين أتى هذا الشعب التونسي ؟ أليست الثورة عمرها سبع سنوات؟ فالذين هم دون سبع سنوات في أعمارهم لا شأن لهم بأوضاع ولدوا بعدها، أما الطبقة السياسية بكلكلها فهي أنتجها الشعب التونسي طيلة سبعين سنة من عمر “الاستقلال”. من هنا، فالذين رضوا بالتوافق والالتقاء على أساس مصلحة وطن وشعب لم يأتوا من بلاد واق الواق : هم عصارة الشعب التونسي كما صاغها نصف قرن من الطغيان، ومن غير المنطقي توقع تغييرات جذرية كبيرة داخل الشعوب في ظرف وجيز جدا.
خامسا : المقاطعون موقفهم ضعيف من الناحية المفهومية لأنهم يتوقعون من الانتخابات إحداث قطيعة معرفية مع الماضي لأنهم يعتقدون أن الثورة تعني القطيعة بالضرورة ! وهذا خطأ معرفي كبير، لأن الثورة الناجحة هي التي تؤسس المسير في اتجاه جماعي تراكمي لتغيير الأوضاع مربعا مربعا، وليس الانقلاب السريع بإحداث قطيعة تامة . وحتى المحاولات التي زعمت أنها ستغير بالعنف الثوري انتهى أمرها إلى الفشل الذريع.
سادسا : لا شيء يمنع المقاطعين من التكتل بدورهم وعرض مشاريع بديلة وجادة وقابلة للتطبيق إن أرادوا. بعضهم يقول: هذه حلول ترقيعية. نعم ! قد يكون الأمر كما قالوا، الآن من يستطيع إلباس تونس ثوبا غير مرقّع، فليتفضل ويعمل وينجز، سيخلّد التاريخ عمله بالتأكيد، أما مجرّد المقاطعة فهي لا تقدّم شيئا وقد تؤخر.
سابعا : ما تحقق في تونس من منجزات منقوصة ومعوجّة ينظر إليه كثير من العرب والمسلمين على أنه غاية ومطمع يودّون لو يتحقّق في بلادهم بعضه، لا بل إن رائحة الموت والمقت التي تخنق الناس في مجتمعات عربية كثيرة جعل من التجربة التونسية أمنية عربية بامتياز، رغم معاول الهدم في الداخل والخارج. ورغم حرية المقاطعين التي أحترمها بفضل ما صار في البلاد التونسية من هوامش للحريات، فإنني أقول لإخواني المقاطعين : إن أردتم الخير لمدن وبلدات وقرى تونس، فلا خيار إلا العمل لحل مشاكل الناس اليومية، من محاضن ومدارس ومكتبات وطرقات ومرافق وتسالي وغير ذلك، فلا خيار إلا وضع اليد في اليد بين جميع أطياف المجتمع، وبناء الحداثة العربية المسلمة بأيدينا جميعا.
الأشياء الوحيدة التي تبدو في المشهد التونسي جديرة بالمقاطعة هي السلبية، والإحباط والأنانية والشكوى الأبدية والمنطق الصفري والانتحارية والتمرس خلف أغلفة الأيديلوجيا وسوء الخلق والفساد والكذب.
ولهذا، فالذين سيقودون مسيرة التغيير في المدن والقرى والبلدات التونسية، سيعملون على تنظيف العقليات من هذه السلبيات، قبل أن يباشروا خدمة المواطن… الإنسان. لأن كلّ هذا الذي يجري هو من أجل الإنسان العربي الجديد : إنسان الحرية والكرامة. وهو الإنسان الكوني الذي سيرث الأرض وما عليها ويسخّّره من أجل الحق والخير والجمال.
لـ✍? #بشير_العبيدي | شعبان 1439 | كَلِمةٌ تَدْفَعُ ألَمًا وكَلِمةٌ تَصْنَعُ أَمَلاً |

شاهد أيضاً

أقولها وأمضي

بشير العبيدي دار اليراعة للنشر 478 صفحة الثمن 19 أورو تتضمن مختارات من المقالات القصيرة ...

الإنسانية هي المستقبل الوحيد الممكن للبشر !

بشير العبيدي #أقولها_وأمضي لنتأمّل بعض المنجزات التي حقّقها الإنسان، بدءاً من استخدام الحجارة والأدوات في ...