الخميس ، 16 أغسطس 2018
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / عودة إلى جدل الإستقلال

عودة إلى جدل الإستقلال

سامي براهم

الوثائق صحيحة، والأسئلة مشروعة، والإختلاف غير المؤدلج صحيّ، لكن الإستنتاجات التي رشحت عمّا سمّي بالوثائق المغيبة كانت مشوّهة أو غير بيداغوجيّة مثل القول بعدم إستقلال تونس، ممّا جعل بعض المتحذلقين يبتدعون تسمية “ناكري الإستقلال” قياسا على ناكري المحرقة “négationnistes” بقصد الوصم والتّرهيب من التّفكير في تقييم التّاريخ ومراجعة السرديّات الرّسميّة.

ما تكشف عنه الوثائق بشكل إجرائي ودون إسقاط تاريخي “anachronisme” -قراءة الماضي بوعي الحاضر- هو كيفية تشكّل مسار الإستقلال الوطني الذي كان متدرّجا من الإستقلال الذاتي إلى الإستقلال مع التعاون أو التكافل أو الترابط أو الإنضواء على اختلاف ترجمات العبارة الفرنسيّة “interdépendance”.

هذا المسار دشّنه بروتوكول 20 مارس 1956 الذي لم يلغ كليا إتفاقيات الإستقلال الدّاخلي جوان 1955 بل تركها للحوار والمفاوضات وفتح الباب على مسار من التصفية التدريجيّة لتركة الإستعمار من خلال ما سمّي لاحقا بالتّونسة التي شملت الجيش والأمن والقضاء وممتلكات المعمرين ومختلف المجالات والمؤسسات “الإدارة، البريد، النقل، التعليم…”.

لذلك يمكن القول لقد كانت سياسة المراحل “خوذ وطالب” التي إعتمدها بورقيبة واعتبرها عنوانا لفلسفته السياسيّه هي الطّابع الذي ميّز مسار الإستقلال وتصفية تركة الإستعمار، وضبط أشكال التعاون مع المستعمر القديم.

السّؤال الذي يجب طرحه اليوم:
هل مكّنت هذه السياسة من تصفية كلّ التركة ؟
أو بشكل آخر ما الذي بقي عالقا من تلك التركة ؟
أو ما هي التعهّدات التي بقيت ملزمة ونافذة المفعول من إتفاقيات جوان 1955 ؟

وهنا مربط الفرس الذي يحتاج قولا دقيقا من المتخصّصين من خلال دراسة الوثائق والإتفاقيات والعقود اللاحقة لا للإدانة والإستنقاص من الإستقلال الوطني بالعكس بل لمزيد دعم الإستقلال وحمايته باستكماله بنفس السياسة والفلسفة التي ابتدأ بها.

وهذا الأمر موكول لمسار الثّورة باعتباره إمتدادا لمسار الإستقلال الطّويل لتحقيق سيادة القرار الوطني في ظلّ التحدّيات السياسية والاقتصادية والأمنية والغذائية والثقافيّة وإكراهات الأوضاع الخارجيّة.

ليس هناك إستقلالات وطنيّة تأتي دفعة واحدة في يوم فارق، جميعها تتشكّل من خلال مفاوضات واتّفاقات وتعهّدات، لكن هناك إستقلالات تنجح تدريجيّا في تصفية تركة الإستعمار، مقابل أخرى تبطئ في ذلك بل قد تطبّع مع نوع من الإستعمار النّاعم.

شاهد أيضاً

غرامشي..

محمد ضيف الله غرامشي (Antonio Gramsci) لم يكن معروفا بين الماركسيين عندنا حتى الثمانينات شأنه ...

اترك رد