الثلاثاء , 11 ديسمبر 2018
الرئيسية / مقالات / إيران: خريطة الاحتجاجات ودلالات الشعارات

إيران: خريطة الاحتجاجات ودلالات الشعارات

فرح الزمان شوقي
بمرور أربعة أيام على انطلاق الاحتجاجات في إيران، تغيّرت ملامح الشعارات التي بدأت اقتصادية عموماً، ودافع عنها بشكلها هذا بعض الساسة المنتمين لتيارات مختلفة، وعلى رأسها التيار المحافظ، لكنها أصبحت تحمل معاني سياسية أكبر من اليوم الأول الذي تخللته هتافات سياسية بشكل محدود، أثارت حفيظة وتحذيرات البعض. كما اختلفت طبيعتها باختلاف المناطق والمدن، فالتظاهرات التي خرجت بداية في منطقتي مشهد ونيشابور، شمال شرقي البلاد، لا تشبه تلك التي خرجت في العاصمة طهران ليل السبت. فيما سُجل سقوط أول ضحايا هذه التظاهرات جنوب غربي البلاد ليل السبت الأحد، لتزيد التحفظات السياسية عليها. وكان لافتاً، أمس، تقييد السلطات الوصول إلى تطبيقي “تلغرام” و”إنستغرام” على الهواتف النقالة بشكل مؤقت، كما أعلنت وسائل إعلام رسمية أمس.
من خرجوا في مشهد التي يقطنها عدد كبير من المحافظين، طالبوا أساساً بتحصيل حقوقهم بعد أن خسروا أموالاً قرروا استثمارها في مؤسسات مالية من المفترض أن الحكومة كانت قد رخصت عملها، كما رفعوا شعارات تنتقد تصرفات الرئيس حسن روحاني وسياساته الاقتصادية، لا سيما أنه قدّم موازنة للبرلمان أكد فيها رفع أسعار المحروقات، وهو ما تزامن مع ارتفاع أسعار بعض السلع الغذائية الرئيسة.
أما في طهران وباعتراف كل المسؤولين، فمن خرجوا أمام جامعتها واتجهوا على طول شارع الثورة أو المسمى انقلاب بالفارسية، رددوا شعارات مناوئة لروحاني وللحكومة ولسياسات النظام. وعلى الرغم من أن في المدينة عدداً كبيراً من مؤيدي التيار الإصلاحي والمعتدل، لكن البعض لا يرى في الأمر ارتباطاً بما حدث، لا سيما أن احتجاجات أخرى خرجت في المنطقة نفسها وأمام الجامعة نفسها، يوم الأحد، تنديداً بتلك التي سبقتها، فردد المتظاهرون شعارات نددوا خلالها بمن وصفوهم بالطبقة المرفهة التي أطلقت شعارات سياسية ولا يهمها أساساً هموم المواطن المعيشية.
وفي هذا الصدد، قال المحلل السياسي عماد أبشناس، إن الاحتجاج على الوضع الاقتصادي قائم منذ مدة، وهناك مدن شهدت على تجمّعات بسيطة بسبب ملف المؤسسات المالية، لكنها تطورت بعد ذلك. وفي ما يتعلق بطهران، رأى أبشناس في حديث لـ”العربي الجديد”، أن ما حدث في العاصمة مختلف تماماً عن سابقاتها، و”لا يتعلق الموضوع بوجود جمهور إصلاحي أو أصولي، فهناك شعارات مصورة في فيديوهات انتقدت التيارين معاً”، معتبراً أن هذا يحرف السياق الرئيسي للاحتجاجات.
الجدير بالذكر أن الموضوع في مدينة مشهد بالذات قد يكون مختلفاً في الحقيقة، على الرغم من تخلل تظاهراتها شعارات سياسية انتقدت سياسة الحكومة. واتهم بعض مؤيدي الحكومة الطيف المحافظ بالتحريض لخروج المحتجين بما يصب لصالحهم في النهاية. وقال أمين حزب “كوادر البناء” غلام حسين غرباستشي، إن مجلس الأمن القومي الأعلى استدعى إمام صلاة الجمعة في مشهد آية الله أحمد علم الهدى، اعتراضاً على مساهمته في دعم الاحتجاجات الاقتصادية ضد الحكومة، وهو ما نفاه مكتب علم الهدى، وطالب باعتذار رسمي، ونفاه مجلس الأمن القومي أيضاً.
من جهته، أكد رئيس تحرير القسم العربي في وكالة “مهر” الإيرانية محمد مظهري، أن الشرارة التي انطلقت من مشهد اقتصادية بالفعل، وتحتج على عمل الحكومة والانتكاسة التي لم تسمح لها بحل معضلة البطالة وحتى بالوقوف بوجه مخاطر عودة نسب التضخم الاقتصادي المرتفعة. وقال إن المحتجين الذين تقدّموا بشكاوى للقضاء ولمجلس الشورى الإسلامي ولمؤسسات حكومية لم يلقوا آذاناً صاغية من قبل الحكومة نفسها حول تعويضهم عن الخسائر المالية.
وفي ما يتعلق بكرمانشاه التي خرجت فيها احتجاجات أيضاً بعد مشهد ونيشابور، فإن المدنيين فيها يعانون أوضاعاً صعبة بسبب ما خلّفه الزلزال الذي ضربها سابقاً. ووصف مظهري تحوّل شعارات الاحتجاجات بالمسألة التي تنقل الأمور إلى سياق آخر، وهو ما يلقى تحريضاً خارجياً، بحسب تعبيره، لكن هذا لا يعني عدم وجود مسببات اقتصادية.
الهتافات السياسية هي التي أثارت حفيظة كثيرين في الداخل، وأطلقت تحذيراتهم التي اتسعت بمرور الوقت، متهمين أطرافاً خارجية بالتحريض على حصول ذلك. والمقصود بالأطراف الخارجية، المعارضة الإيرانية وعلى رأسها جماعة “مجاهدي خلق”، التي تتخذ من فرنسا مقراً لها، وكانت زعيمتها مريم رجوي، قد شجعت تحرك الإيرانيين ضد النظام، فضلاً عن وجود معارضة ثانية ممثلة بمؤيدي الملكية البهلوية السابقة.
وأثارت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول الموضوع، فضلاً عن طريقة تعامل وسائل إعلام سعودية مع احتجاجات إيران منذ يومها الأول، امتعاض كثيرين، ورفضت الخارجية الإيرانية، في بيان رسمي، الموقف الكندي كذلك.
من جهة أخرى، زادت مسألة سقوط قتيلين وستة جرحى خلال احتجاجات في منطقة دورود في لرستان، جنوب غربي إيران، من حدة التحفظات السياسية، حتى من قبل المحافظين. وكانت مواقع إيرانية قد ذكرت، أمس الأحد، أن أشخاصاً على دراجة نارية أطلقوا الرصاص بشكل عشوائي على المتجمّعين وهو ما أوقع الضحايا. وجاء هذا بعد توجيه أصابع الاتهام لقوى الأمن الإيراني، فنفت إدارة محافظة لرستان صحة ذلك.
وبعد اعتقال من رددوا شعارات سياسية في مشهد، أكد المساعد الأمني لوزير الداخلية علي أصغر ناصر بخت، اعتقال من تسببوا بأضرار في الممتلكات العامة في طهران، قائلاً إن شعاراتهم لم تكن لها علاقة أساساً بالظروف المعيشية. وأكد أنه سيتم التعامل بجدية مع كل من يخالف القانون ويدعم أعمال الشغب، وهو ما جاء عقب صدور تحذيرات على لسان وزير الداخلية عبد الرضا رحماني فضلي، الذي حذر المواطنين من المشاركة بما وصفه بالاحتجاجات غير القانونية.
كما أن نائب رئيس مجلس الشورى الإسلامي علي مطهري، المؤيد للإصلاحيين، قال في تصريحات، ما مفاده أن هتافات الاحتجاجات تتبدل بسرعة وتبتعد عن مسارها الأصلي وتتجه نحو العنف. ودعا في بيان، للوقوف بوجه “الأعمال التخريبية”، كما وصفها. لكنه انتقد أيضاً آليات التعامل مع الوضع، قائلاً إن السبب في ما يحدث ربما يكون عدم إصدار تراخيص رسمية لأي تظاهرات، فوزارة الداخلية تعتبر كل التجمعات والاعتراضات المدنية غير قانونية، بينما يسمح الدستور بالخروج بتظاهرات غير مسلحة ومن دون أن تخالف الشرع والأحكام الإسلامية. وأضاف أنه في الدول التي تتمرن على الديمقراطية الحقيقية تخرج تظاهرات في يوم محدد ويسير المشاركون فيها بوجود قوات الشرطة ويوجهون رسالتهم، مضيفاً أن على وزارة الداخلية أن تعترف بالاعتراضات المدنية وألا تعقّد مسألة صدور التراخيص، فاحتجاجات المواطنين كانت اقتصادية، ولو شعر الإيرانيون بأنهم يمارسون الحرية لصبّ هذا لمصلحة النظام الإسلامي، حسب قوله.
العربي الجديد