الجمعة ، 20 أبريل 2018
الرئيسية / تدوينات / مقالات / السعودية: الانتقال المستحيل من المملكة إلى الدولة

السعودية: الانتقال المستحيل من المملكة إلى الدولة

عبد الرزاق الحاج مسعود

تلخيص:
تمثّل المملكة السعودية عنوانا سياسيا عربيا وإقليميا بارزا في التصدّي لثورات الربيع العربي. واستطاعت بالنظر إلى “طبيعة تكوينها” المالي والديني وطبيعة علاقتها بالاستعمار أن تنجح في تقويض هذا الربيع وتحويله (طبعا إلى جانب عوامل أخرى كثيرة) إلى محرقة في كل من سوريا واليمن خاصّة. ولكنها رغم هذا النجاح توشك أن تدفع ثمنا لكلّ هذا التهوّر السياسي قد يطال هويتها السياسية وبالتالي شكل المنطقة العربية برمّتها.

تقديم:
خلال سنوات الربيع العربي السبع الأخيرة حضرت السعودية بكثافة في كل مفاصل التحوّلات السياسية التي تعصف بالجغرافيا العربية. هذا الحضور الممتدّ في كل الاتجاهات يبلغ اليوم منعرجا حاسما سيكون له تأثيره على مآلات الوجود العربي وعلى التوازنات السياسية الإقليمية والدولية، وقبل ذلك على مستقبل “الدولة” السعودية نفسها.

1. السعودية: كيان سياسي ما دون الدولة صنعته صدفتان:
لم يكن ظهور الإسلام في الجزيرة العربية وتحوّل مكة والمدينة إلى مركز ديني عالمي حدثا كافيا لتبلور مشروع سياسي فيها. حتى في أوج ازدهار الحضارة الإسلامية كان مركز الامبراطورية الإسلامية وثقلها السياسي والثقافي يتنقل بين بغداد ودمشق والقاهرة ثم الأندلس. فكان لا بدّ من انتظار صدفة “الثروة النفطية” الهائلة لتكتمل شروط قيام مشروع سياسي سعودي يحمل كلّ شروط الفرادة والغرابة والهجانة دون أن يرتقي أبدا إلى مستوى “الدولة”.
لم تمرّ السعودية بحراك ثقافي عقلاني حديث ينقلها إلى مرحلة “الدولة”. إذ لم تصلها رياح “النهضة العربية” التي نجحت في تحريك تاريخ المشرق العربي وخلخلة بنية الثقافة والسياسة في مصر والشام والعراق وحتى اليمن -الامتداد الجغرافي للسعودية- والمغرب العربي الذي انخرط في المشروع الإصلاحي العربي مبكرا. بل أن “الدولة” السعودية التي أسقطها محمد علي باشا في طورها الأول سنة 1818 وفكّك تحالفها مع الدعوة الوهابية لم تلبث أن استعادت هذا التحالف (الذي سيشكّل مصدر “فرادتها” السلفية البدوية المنقطعة عن العصر) وتعلن سنة 1932 قيام المملكة العربية السعودية بدعم من الاحتلال الانجليزي الذي استفاد بدوره من خدمات الشريف حسين منذ 1916 (قائد الثورة العربية الكبرى التي كان يمكن أن تتحوّل إلى “مشروع وطني عربي” لولا انقلاب الاستعمار عليها وغياب الرؤية السياسية لدى قيادتها) في إنهاء الوجود العثماني في الجزيرة العربية.
لم يتأثر المجال السعودي بالمواجهة مع محمد علي باشا الذي كان يقود مشروعا إصلاحيا تحديثيا في مصر رغم أن الهزيمة أمام الجيش المصري سنة 1818 كشفت للسعوديين الفارق “التقني” العلمي بين الجغرافيتين المتجاورتين. ولم تترك “صدفة النفط” وما وفّرته للسعودية من ثروة مالية خيالية أتاحت لها قدرة استهلاكية “مجنونة” للمنتجات الرأسمالية المتطوّرة أي أثر في “العقل السعودي” من قبيل ولع “المغلوب في تقليد الغالب” (حسب القانون الخلدوني)، بل أن هذه الثروة “الطبيعية” (التي يفسّرها القادة السعوديون بأنها علامة من علامات التكريم الإلهي لسكان الأرض المباركة) رسّخت لدى السعوديين فكرة “الغلبة” والتفوّق على العالم الذي يستطيعون تسخيره لخدمتهم دون الحاجة إلى تعلّم “صنائع” هم قادرون على شراء مصنوعاتها وحتى صانعيها.

2. غياب كلّي للمشروع السياسي الوطني:
“الصدفتان” الدينية والنفطية مكّنتا المملكة من وسائل قوة سياسية استثنائية ستوظّفها خلال عمرها القصير (سبعة عقود تقريبا) في معارك خارجية كبرى وحروب لا تحكمها رؤية سياسية منسجمة بسبب غياب كلّي لمشروع سياسي وطني داخلي، إلا ما اطمأنت إليه من ثروة روحية أبدية تضمن لها تجارة دينية مربحة على امتداد السنة (حجّا وعمرة)، وثروة نفطية تظنّها أبدية تضمن لها قدرة على الإنفاق الجنوني على خيارات لاعقلانية عالية الكلفة.
لم تكلّف القيادات السعودية المتعاقبة نفسها عناء بلورة مشروع بناء وطني يضمن للبلاد أسس نهضة دائمة تدمج المملكة في العصر وتتيح لها الاستفادة العقلانية من إمكاناتها المادية والروحية، بل اختارت مدخلا خطيرا للحضور في جغرافيا السياسة العالمية. حيث استسهلت دور “القيادة الدينية” للعالم الإسلامي قبل أن تكتفي بـ”قيادته المذهبية السنية” بعد بروز القطب “الإيراني الشيعي”.
استثمرت المملكة ثروات طائلة للقيام بهذا الدور من خلال تمويل جمعيات ومراكز الدعوة إلى “الإسلام الوهابي” في كل القارات رافضة الانفتاح على تيارات العصرنة والتحديث والتفكير بكلّ أنواعه حفاظا على “رأسمال ديني” جامد يجعل قداسة الحاكمين باسمه من قداسته.
الخلفية الأخطر في السياسة السعودية هي ارتباطها بـ”الراعي” الاستعماري الذي كان له دور فعلي ومصيري في مرحلة تأسيس المملكة في سياق استعماري، قبل أن يتواصل هذا الارتباط الخطير والمعقّد والغامض مع المستثمر/المستعمر الأمريكي الكبير في قطاع النفط الذي ما لبث أن أصبح شرطيّ العالم (بعد الحرب الكونية الثانية) وبالنتيجة شرطي المنطقة العربية خصوصا مع قيام الكيان الصهيوني رسميا سنة 1948 على أرض فلسطين.
هذه الخلفية الملازمة لهوية المملكة الفاقدة لمشروعها السياسي الوطني الخاصّ ستبرز في الانحياز اللامشروط خلال ما عرف بالحرب الباردة إلى المعسكر الغربي (حلف بغداد) ثم في الانخراط الدائم في كل محطات “تصفية” القضية الفلسطينية (رغم ما تخلّل هذا المسار من استثناءات لا تمسّ من جوهر التوجّه السعودي) بدءا من مبادرة الملك فهد سنة 1981 التي كانت تمهيدا لعملية أوسلو سنة 1991 مرورا بمبادرة الملك عبد الله سنة 2002 وصولا إلى الخطوة المجنونة التي يجري طبخها في كواليس القرار السعودي والمسمّاة بـ”صفقة القرن” القاضية بتكفّل السعودية بالتكاليف المالية والسياسية لتوطين الفلسطينيين في سيناء بديلا عن فلسطين في تتويج نهائي وحاسم وصادم لملف “الصراع العربي الصهيوني”.

3. السعودية و”خيار”/”دور” الحرب الدائمة:
منذ تدخّلها اليائس للدفاع عن الملكية في اليمن التي انتهت إلى إعلان جمهورية مجاورة للمملكة، لم تفتأ السعودية تصدّر “سنيتها السلفية المحافظة” بكثير من الحماس والسخاء. فكان “الجهاد الأفغاني” ضدّ التدخّل السوفياتي سنة 1979 أوّل حرب “دينية” طويلة الأمد تتبنى فيها السعودية خيار الدعم اللوجستي والعقائدي لحركة تحرّر وطني فرض عليها الاصطباغ الكلّي بالتديّن السعودي بالنظر لحاجتها الماسة للتمويل والتسليح الأمريكي في مواجهة قوة عسكرية عظمى هي القوة السوفياتية.
كان “الجهاد الأفغاني” فاتحة دور سعودي خارجي موجّه أمريكيا وظّفته أمريكا لهرسلة عدوّها الشيوعي على امتداد عشر سنوات (1979-1989) قبل أن يتحوّل إلى “نمط” من التديّن الفوضوي التخريبي سيقع توجيهه واستعماله وتبيئته في الجزائر والعراق وسوريا وليبيا وتونس تحت اسم “القاعدة” و”داعش” وأسماء فرعية أخرى كثيرة.
بعد أفغانستان التي انخرطت في فوضى شاملة وتكفّل المخابرات الباكستانية بجزء من ملفّها (ما يتعلّق بطالبان التي انطلقت من مدارس باكستان وأروقة “قرارها” السياسي) إلى جانب الحضور الأمريكي المستمرّ حتى اليوم، انتقلت السعودية مباشرة إلى مساندة صدام حسين في حرب عبثية ضدّ الثورة الإيرانية (من 1980 حتى 1988). حرب وُظّفت فيها كل الشعارات المذهبية والطائفية المقيتة من الطرفين، وانتهت إلى “تطييف الثورة” وتدمير العراق الذي نجح في بناء أرضية نهوض ثقافي وعلمي وتنموي قبل أن يسقط في تبني خيار “انتحاري” مدفوعا بطمأنينة غبية إلى سند سعودي مالي سخيّ سرعان ما انعكس “تسنّنا” انتهازيا في خطابه الحربي ضدّ العدوّ الإيراني “الشيعي” ثمّ ضدّ المحتلّ الأمريكي “الكافر”.
حصيلة المغامرة الأفغانية ثم العراقية كانت في ترسّخ الدور/الوهم السعودي الخارجي في أذهان قادتها بفضل قدرة المملكة المالية العالية على التسلّح وعلى تدوير آلة التصنيع العسكري الرأسمالي النهم وما صاحبه من ترويج إعلامي غربي لمقولة “مركزية الدور السعودي” في المنطقة. وهو دور كان من الطبيعي أن يتحوّل إلى عامل أوّل للفوضى والتخريب ما دام يفتقد لبوصلة سياسية واضحة لم تكن ممكنة بسبب غياب ملامح مشروع وطني سعودي داخلي في غياب “دستور” أو حتى أعراف واضحة للحكم بعد فشل كل محاولات التحوّل نحو أي شكل من أشكال حكم القانون (منذ فشل حركة الأمراء الأحرار بقيادة الأمير طلال بن عبد العزيز آل سعود سنة 1960).

4. السعودية ضدّ “الربيع العربي”:
لن نتحدّث عن الدور السعودي في مهد الثورات العربية تونس حيث اقتصر دورها (على الأقلّ في العلن) على رفض كلّ أنواع المساندة لتجربة التحوّل الديمقراطي ربما لأن الساحة التونسية كانت تفتقد لطرف يحظى بثقتها الكاملة، ولأن تونس لم تكن جديرة في نظرها باستثمار سعودي من أي نوع نتيجة هامشيّتها في الخارطة السياسية العربية، وربما بسبب جهلها بمفردات الوضع السياسي التونسي الذي كان “اختصاصا” فرنسيا لمدة طويلة.

السعودية وانتفاضة البحرين:
ربما كان نجاح السعودية في إجهاض الانتقال الدستوري في البحرين (مارس 2011) بعد احتجاجات شعبية عارمة اضطرّت النظام إلى التفاوض حول مراحل الانتقال السياسي نحو نظام أكثر انفتاحا، ربما كان ذلك “النجاح” العسكري هو “الطعم” الذي أغرى السعودية بالتمادي في سياسة استهداف كلّ الربيع العربي بعنجهية فجّة. (بقطع النظر عن طبيعة الحضور الإيراني في البحرين، وعن سلوك إيران المشابه في قمعها للاحتجاجات الشعبية في داخلها بعد انتخابات 2009 المزوّرة بشهادة المعارضة المعتدلة).

السعودية والثورة المصرية:
أما في مصر فقد كان تدخّلها عاريا ومباشرا وكاسحا لصالح الانقلاب على الثورة وعلى أول تجربة ديمقراطية حقيقية في تاريخ مصر، إذ قامت بضخّ أموال طائلة للانقلاب على ديمقراطية جديدة لم يكن يهمّها أبدا أن يكون الفائز فيها طرف سياسي قريب “مذهبيا” منها بقدر ما كان يهمّها قبل كل شيء أن تمنع قيام تجربة تحديث سياسي ديمقراطي على حدودها ستصبح مصدر إلهام وإغراء لشعبها الذي لن يقبل بأن يظلّ استثناء “بدويا سلفيا” على الدوام في محيط عربي متّجه، ولو ببطء نحو الديمقراطية والحرية.
هذا الاستهداف المباشر للديمقراطية المصرية الوليدة شكّل تحوّلا دقيقا ومنعرجا خطيرا في السياسة السعودية ومجازفة من طرفها بالتخلّي “الجزئي” عن الشعار المذهبي ثمّ عن التقاطع التاريخي “العرضي” مع الإسلام السياسي الإخواني بعد “تورّطه” في الديمقراطية، لتنتقل مباشرة إلى تبني مغامر لشعار جديد ومائع هو شعار “الحرب على الإرهاب” سينتهي بها إلى تقاطع قاتل معه. شعار غائم سينقلب سيفا مسلّطا على رقبتها من طرف قيادة أمريكية انتهازية متردّدة ومرتبكة في سياستها مع حلفائها القدامى في المنطقة ويقودها تاجر نهم لا يتردّد في التبجّح بأنه نجح في ابتزاز مبلغ 450 مليار دولار من الأموال السعودية -التي بدأت تشحّ- في صفقة واحدة.
التدخّل السعودي في مصر لإنقاذ نظام الانقلاب لم يكن بالسلاسة التي يظنّها البعض نتيجة خصوصية وضع الدولتين اللتين تتمسّك كلتاهما بوهم قيادة العالم العربي. لذلك كانت صفقة جزيرتي صنافير وتيران بمثابة “عقد” الشراكة الاستراتيجية التي ستتواصل -رغم الاختلاف الجزئي والظاهري فقط في الملف السوري- في ملفّ تصفية القضية الفلسطينية الجارية حاليا تحت إشراف مباشر من “الراعي الأمريكي” الماسك بسيف “جاستا” على رقبة السعودية (قياسا على سيف “ديموقليس”).

السعودية وسوريا:
استمرّت السعودية في الوفاء بمقتضيات زعامتها العربية المتوهّمة ودورها الإقليمي المكلّفة به “دوليا” بتدخّل عسكري مباشر في سوريا. حيث قامت بتمويل وتسليح الفصائل المعارضة بمختلف توجّهاتها. إذ سلّحت المعارضة “الديمقراطية” المؤهلة لجني حصاد الحرب سياسيا، كما سلّحت وسفّرت وكوّنت “الجهاديين السلفيين” لضبط الديمقراطيين والضغط عليهم كلما فكّروا في الابتعاد عن الراعي السعودي. نجحت السعودية في حرف الثورة السورية عن طبيعتها السلمية أولا ثم المدنية الديمقراطية ثانيا، قبل أن تضطرّها الحسابات الأمريكية الروسية الجديدة إلى وضع حدّ لحضورها العسكري والاكتفاء بدور سياسي ترتيبي يتمثّل في احتضان لقاءات تشكيل وفد المعارضة السورية في مفاوضات الحل النهائي في جينيف. وهكذا تخرج السعودية مرة أخرى بهزيمة سياسية تمسّ من مكانتها الإقليمية القائمة أساسا على صدفتين كما سبق أن فصّلنا.

السعودية وحرب/احتلال/تدمير اليمن:
كان منتظرا أن يكون تعامل السعودية مع الربيع اليمني القريب منها هو الأكثر شراسة ودموية. فاليمن هو الامتداد الجغرافي الطبيعي للمملكة، دون أن يكون امتدادا ثقافيا وحضاريا لها بأي شكل رغم تشابه البنية القبلية. بل لعلّه يمثّل -بحركيّته الثقافية والمجتمعية (النسبية مقارنة بجواره الخليجي) رغم فقره وخلوّه من الثروة النفطية- “عقدة” في الوعي القيادي السعودي المصاب بوهم التفوّق وعقيدة السيادة. اليمن هو أول “جمهورية” تقام على أنقاض الملكية الحليفة (رغم إماميتها) للسعودية. واليمن الجنوبي شهد قيام أول نظام ماركسي ينصّ دستوره على أن الإسلام دين الدولة، وشكّل قبل سقوطه شوكة في قدم (جنوب) المملكة. وها هو يفاجئها بثورة شعبية عارمة تطيح بحليفها علي عبد الله صالح ويهمّ بإرساء جمهورية ديمقراطية حقيقية على حدودها.
تدخّلت السعودية في الأيام الأولى للانتفاض الشعبي اليمني باسم “وساطة خليجية” انتهت إلى إنقاذ علي عبد الله صالح وفرضه “شريكا” ممضيا على اتفاق الانتقال السياسي مقابل حصانة قضائية كاملة. لم تفعل السعودية أكثر من أنها استبدلت علي عبد الله صالح بعبد ربه منصور هادي لإجهاض المسار الثوري قبل أن تفاجأ باستعادة صالح مطامحه بالتحالف مع خصمه القديم (الحوثيون) ويفرض على السعوديين حربا شرسة لم تكن تتصوّر حجمها. حرب فتحت الباب واسعا أمام تدخّل إيراني آخر في المنطقة العربية (بعد العراق وسوريا ولبنان) تحت عنوان مذهبي -وإن غير معلن رسميا- سيكرّس ضياع البوصلة الديمقراطية المدنية لثورات الربيع العربي الذي لم تدّخر السعودية جهدا في العمل عليه.
تورّطت السعودية في تدمير اليمن، وألحقت به خرابا هائلا باسم الدفاع عن شرعية لم تتردّد في التخلّي عنها (كل المؤشرات تدلّ على انتهاء دور الرئيس هادي وعن أنه “مجمّد” لدى السعوديين في انتظار فرصة التخلي الكلي عنه) بمجرّد أن لوّح لها صالح المتخبّط في مناوراته اليائسة باستعداده للتخلّي عن الحوثيين والعودة إلى كنفها السخيّ، لولا أن سبقها القدر إليه. (ولو أن الروايات التي تتحدّث عن استدراج سعودي لصالح وتقديمه هدفا سهلا للحوثيين لا تخلو من وجاهة. ومن الصعب الحسم في صدقيّة أي رواية ما دام جزء كبير من السياسة تضطلع به أجهزة سرية تعمل لحساب أكثر من جهة أحيانا).
المهمّ أن السعودية الآن تجد نفسها بين خيارين لا يقلّ أحدهما مرارة عن الآخر: إما التفاوض المباشر مع الحوثيين وقد أصبحوا قاعدة عسكرية متقدّمة لخصمها المذهبي “إيران”، وقد رأينا أن شعار الدفاع عن ” أهل السنة” لا يعدو أن يكون “أداة إيديولوجية” فعّالة تخوض بها السعودية حرب الزعامة “الموهومة” ويغطّي على دور الوكيل الاستعماري المحاصر بأخطائه.
الخيار الثاني هو أن تقبل بانسحاب آخر “مذلّ” كما في سوريا وتقبل بقدر خروج اليمن نهائيا من مجال نفوذها، خصوصا بعد “صحوة الضمير” الأمريكية الأخيرة ودعوتها السعودية برفع حصارها عن اليمن.

السعودية وحصار قطر:
كان منتظرا أن تستمرّ السعودية في معاندة تحوّلات التاريخ ورفض الالتفات إلى الداخل السعودي الفاقد لمقتضيات الاجتماع الحديث، فكان إعلانها حصار دولة قطر -تمهيدا لغزوها والانقلاب على حكامها الذين تبنوا سياسة إعلامية وميدانية داعمة للربيع العربي- مؤشرا فاضحا لدرجة التخبّط السياسي التي بلغها القرار السعودي. كانت السعودية على وشك تفجير حرب كارثية في الخليج العربي لولا بعض المستجدّات التي ظهر بعضها وبقي أكثرها طيّ الكتمان، خصوصا فيما يتعلّق بوجود ضوء أخضر أمريكي من عدمه لهذه الخطوة الجنونية، أم أن الموقف الأمريكي كان يكفيه ما حققه من ابتزاز مالي مزدوج لطرفي المواجهة “المجمّدة/المؤجّلة”.
مرّة أخرى تتورّط السعودية في العمل على مزيد تمزيق النسيج المجتمعي العربي في سياق “غضبها” من انتفاضات التغيير العربي الذي شكّل نقيضا موضوعيا لهويتها المحافظة الراكدة.

السعودية ولبنان:
الحالة اللبنانية حالة سياسية وتاريخية خاصّة. نكتفي منها بالإشارة إلى أن التخبّط السعودي طال الساحة اللبنانية في عملية “احتجاز” رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري وإجباره على إعلان الاستقالة من السعودية في سابقة سياسية تنمّ عمّا وصل إليه مطبخ القرار السعودي من تدهور ورعونة. خطوة كان الهدف منها الضغط على المكوّن الشيعي في الحكومة اللبنانية، قبل أن تتراجع السعودية كعادتها وتنحني أمام التدخّل الفرنسي، وأمام عشوائية مطلبها، وأمام وعي الفرقاء السياسيين اللبنانيين -حتى المحسوبين عليها- بخطورة إعادة إنتاج ظروف الحرب الأهلية التي وقف على كارثيّتها الجميع.

خاتمة:
كان من الطبيعي أن يتأثر الداخل السعودي عاجلا أم آجلا بالحراك التاريخي العربي والعالمي بحكم الانفتاح الاضطراري للمجتمع السعودي على العالم بفضل الثورة الرقمية. وكان متوقّعا أن تثمر ولو قليلا محاولات الإصلاح الدستوري التي شهدتها المملكة خلال عقود طويلة. وكان طبيعيا أيضا أن تنعكس خيبات وارتدادات التهوّر السعودي الخارجي المكلّف لميزانية المملكة على الرأي العام السعودي الداخلي الذي اضطرّ حكّامه إلى استرضائه وشراء صمته سنة 2011 (وقت اندلاع الاحتجاج الاجتماعي العربي) بترفيع جنوني في الأجور ظنا منها أن ذلك كفيل وحده بإخماد جذوة التغيير فيه.
في هذا السياق تأتي السياسة “الإصلاحية” المخاتلة للزعيم السعودي الجديد (وليّ العهد المنقلب على السلالة الملكية) التي تستهدف احتواء المطالب الإصلاحية الحقيقية التي تعتمل في الداخل السعودي والانقلاب عليها.
لم يجرؤ الأمير الإصلاحي على الدعوة إلى صياغة دستور ينقل المملكة إلى مرحلة الدولة ويفتح باب المشاركة الشعبية في العملية السياسية وفي تصريف ثروة البلاد اللتين ظلّتا حكرا على المتغلّبين من العائلة المالكة. لذلك هو لا يفعل أكثر من رفع شعار الإصلاح لوأد الإصلاح. ولكن حتى متى يستطيع أن يفعل؟

شاهد أيضاً

سياسيون ورجال دين تونسيون يدعون إلى «رفع القداسة» عن شخصية بورقيبة

حسن سلمان تونس – «القدس العربي» : دعا سياسيون ورجال دين تونسيون إلى «رفع القداسة» ...

اترك رد