السبت ، 16 ديسمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / السياسي والڤشّار

السياسي والڤشّار

زهير إسماعيل

الأحزاب أساس الديمقراطيّة الأوّل. ولا يمكن الاستغناء عنها في موضوع التداول السلمي على السلطة. ولكن هذا لا يمنع من أن يكون لـ”الثقافة السياسيّة” والتجربة الشخصيّة ونوع الديمقراطيّة (تمثيليّة، تشاركيّة) تأثير على صورة “السياسي” وأدائه ومنزلته.
وأخصّ بحديثي هنا فئة المناضلين، مختلفي المشارب، الذين مارسوا المعارضة وواجهوا الاستبداد أو كانوا من ضحاياه وكان لهم موقف شامل من السياسة والدولة والديمقراطيّة والمجتمع والمشروع الوطني. ويمثّل هؤلاء اليوم، يعد أن “أمكن القول وصلُح الدهر وخَوَى نجم التقية”، فئةً واسعةً. وقد حرّرت الثورة الإرادات وأطلقت الأيدي حتّى قيل: يبدو أعداء الحريّة أكثر المستفيدين من الحريّة”.

هذه الفئة من السياسيين عرفت تحوّلات مهمّة في السنوات السبع الأخيرة، وعاشت اختبارات عملية في ظل منسوب الحريّة العالي، وتجربة التأسيس والانتقال الديمقراطي.
بعض العوامل وفي مقدّمتها “الغنيمة”، و”الرغبة الجامحة في السلطة” وخاصّة “الديمقراطيّة التمثيليّة”، وكذلك “الطبيعة المركزيّة للسلطة” حوّلت “السياسي” من مناضل فاعل إلى “وسيط” بين الناس والدولة، وقد كان لهذه الوساطة دور في نحت صورة “الڤشّار” لرجل السياسة ويكفي أن تنظر في “أصحاب البدائل”، ولا سيّما مدّعي الليبراليّة منهم، وهم يقدّمون أنفسهم للناس، لا تجد الحامل الأخلاقي المناسب لتسويق الصورة. مع تضخّم في “الأنا” وعجز عن نسج علاقات أفقيّة أصيلة مدارها على أنّ السياسي “خادم للناس” لا وسيطا بينهم وبين السلطة”.

و”منوال الڤشارة” مبثوث حتّى في عالم الأعمال. فقد لاحظ أحد الحقوقيين يوما، بأنّ ما عندنا من رجال أعمال هم في حقيقة الامر “ڤشّارة”. إنّهم فئة لا تستطيع أن تبني معادلة توفّق فيها بين الربح وتنمية البلاد تنمية فعليّة ببعث المشاريع التي تحقق الربح والتشغيل والقيمة المضافة.. لا يقدر الواحد منهم إلا على “تنسيل” ما يمكن تنسيله من خلق الله والدولة وفي غالب الأحيان “يهزها بجلدتها”، وخدمة أبناءه، وعائلته وأصدقائه…

أحيانا، وأنت تتابع عرك بعض شقوق الأحزاب وأجنحتها على الهواء، يخالجك شعور بأنّك في “بئر القصعة”…
الديمقراطيّة التمثيليّة مناخ خصب لازدهار “الڤْشَارة” وتوسّع فئة “الڤَشَّارة” لتمتدّ إلى الثقافة والتأليف والبحث الأكاديمي والفنون وأهمّ مجالات الإنتاج الرمزي، فنكون أمام “شعب الله القشّار”، ويرتبط انتشار “نمط الڤشارة” بالتفسّخ الاجتماعي (الطبقي)، والمناولة السياسيّة وتجاور المستويات الاجتماعيّة المتفاوتة جدّا، والسلوك المافيوي، وأفقيّة الفساد، والجريمة المنّظمة…الخ

الديمقراطيّة التشاركيّة والتطور نحو أفقية أكثر في الحكم (جرّبت في عديد البلاد الأوروبيّة) قد تكون الشرط السياسي والسلطوي الأمثل للخروج من منوال “القشارة السياسيّة” واستعادة السياسي روح “المشاركة ” والشراكة” السياسيّة (في السلطة كان أم في المعارضة) بما يعنيه ذلك من تقدّم حثيث نحو منوال: خادم القوم سيّدهم…
في ظل هذا المنوال يستعيد “رجل السياسية” روح “المناضل” التي غادرته لتكون المعادلة ممكنة بين شهوة السلطة ونخوة القيمة. فالسياسة ليست زهدا صرفا ولا غنيمة خالصة.

شاهد أيضاً

ما خسرته قناة “التاسعة” لا تعوضه مليارات الإشهار

إسماعيل بوسروال كمواطن عادي انتبهت الى الاشهار الذي تم تقديمه على قناة التاسعة حول برنامج ...

اترك رد