الإثنين ، 20 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / علنية التطبيع ما سرها ودلالتها ؟ ولماذا الآن ؟

علنية التطبيع ما سرها ودلالتها ؟ ولماذا الآن ؟

أبو يعرب المرزوقي

لست بحاجة لفهم التطبيع فقد كتبت منذ أكثر من عقدين وبينت أن ذلك شرط حامي الحكام ليبقيهم في الحكم ويغطي على أساليبهم شديدة التحضر والتقدمية.

وما أظن أحدا لا يميز بين نوعين من الحماية:
حماية اليابان وكوريا الشمالية وكل بلاد أوروبا الغربية
وحماية كل الطراطير العرب من الماء إلى الماء

وهو السر الذي ينبغي فهمه لنجيب عن السؤال الذي يحيرني: ما الذي طرأ فجعلهم ينقلون التطبيع من السرية إلى العلنية فيصدقون على الأقل في هذه؟ سنة 2011 عندما فكرت النهضة في المشاركة في الحكم والانتخابات سألت بعض أصحاب القرار: هل تقبلون حقا شرط السماح لكم بذلك؟: مافيات إسرائيل وإيران؟ لم أكن ناسيا فرنسا لأن شروطها معلومة قبل الثورة والتغيير لا يحصل بعصا سحرية: فمن يعجز عن رعاية شعبه وحمايته لا يعجب من كونه محمية بلا سيادة. لكن تبين أن العرب سواء من كان يحكم أو من كان يعارض لا يجهل هذه الحقيقة وهي مسلم بها ولم يكن يتوهم أن التصدي لذلك ممكن إلا بعض السذج مثلي. وتصورت أنهم يسلمون بذلك لكن يحافظون على خطاب للاستهلاك المحلي يجعلهم يزايدون في دعوى الدفاع عن القضية الفلسطينية. وهذا هو سر الحيرة. فمجرد جعل التطبيع علنيا يعني أن خطاب الاستهلاك المحلي لن يبقى ساري المفعول عند الجميع الحاكم والمعارض. واليسار لم يعد يتهم النهضة بالتطبيع وهو كان يفعل وكلنا يعلم أنه-على الاقل من يدعي اليسارية منهم-مطبع بالجوهر بدعوى رفض الدين والشوفينية متناسيا الطبيعة الدينية لأساس إسرائيل. لكن ما دفعني للكتابة في موضوع التطبيع منذ عقدين هو كذبة المقاطعة الاقتصادية: فكل من له دراية بالاقتصاد يعلم أن ذلك مستحيل مع إسرائيل.

وهو مستحيل لعلتين:
الأولى سلطان يهود العالم على النظام البنكي
والثانية لا يمكن مقاطعتها من دون مقاطعة شركائها في العالم المتضامنين معها
والمحميات ليس لها قيادة تؤمن بالسيادة لذلك فلن تقدر على المقاطعة لأنها كيانات واهنة: فمن يتسول في الرعاية والحماية فاقد للقدرة والإرادة.
والدلالة الوحيدة للتطبيع العلني والتوقف عن خطاب الاستهلاك المحلي ذات وجهين:
اللامبالاة براي الشعب والاستعداد لإسكاته بالوسائل العنيفة. والحجة التي تمكن من ذلك أصبحت قانونا شبه مطلق: كل من يعارض هذا الامر يصنف إرهابيا فيحل دمه ولا أحد يلومهم فذلك يخدم منافقي حقوق الإنسان.
والامر الثاني هو أن إسرائيل لم تعد تقبل منهم التطبيع السري. تريده علنيا. وهذا ايضا صار ممكنا بل ومطلوب للتصدي للثورة وحاجتهم لسندها وسند إيران.
فانقسم طراطير العرب من الحكام والمعارضين إلى من يحتمي بإيران (بشار مثلا) ومن يحتمي بإسرائيل (السيسي مثلا) فشجع ذلك البقية على الاستفادة. ومعنى ذلك أن الأنظمة الخليجية التي هي أول المطبعين سرا أصبح تطبيعها علنيا بسبب الثورة وليس بسبب شيء آخر: يرضخون خوفا من فقدان غطاء الإعلام.

لو كانت النخبة السياسية العربية استفادت مثل اليابانيين والكوريين والألمان وكل دول أوروبا من الحماية الامريكية فازدهرت لوجدنا لهم بعض العذر. وليس ذلك بسبب مظاهر الازدهار بل بسبب السلطان على شروطه الفعلية العلمية والتقنية والصناعية. بلاد الخليج تبدو مزدهرة قبل أزمة البترول. لكنها في الحقيقة أفقر من أفقر العرب الذين لهم على الأقل بعض شروط القيام الذاتي وهو امر قد يحصل عليه الخليجي ولكن بعد أمد طويل مثل غيرهم. فحقيقة الازدهار لا تحصل بالعصا السحرية بل هي ثمرة أجيال من التنمية العلمية والاقتصادية والخبرات: بعيدة المنال لمن كان مستغنيا عن العمل.

حصيلة الأمر: احتقار الشعوب والتصدي لثورتها هما علة الانتقال من التطبيع السري إلى التطبيع العلني. وكان يمكن أن يعتبر مقبولا لو كان لغاية. فالدولة الأموية في ماضينا واليابان وكوريا الجنوبية وألمانيا وجل بلاد الغرب قبلت الخضوع لشروط أمريكا لكنها ذات مشروع للتحرر من سلطانها. أما العرب حكما ومعارضة فلا مشروع لهم غير الحكم تحت حماية أمريكا وذراعها الإسرائيلية ومشروع روسيا وذراعها الإيرانية: يكفيهم الاستبداد والفساد.

ألست ابالغ في اتهام الحكام والمعارضات بلا دليل؟
حسن: هل يوجد من بينهم من لا يعلم أن المتسول لا قدرة على من يمن عليه يعوله ويحميه من شعبه؟
وهل يجهل أحد منهم أنهم حتى لو “تنطع” فأراد رفض الديكتات الإسرائيلي أو الإيراني ومن ورائهما له القدرة على الصمود أمام شاهية العمالة عند غيره.
فما يجري الآن في الاسر الحاكمة قبلية كانت أو عسكرية -والاحزاب إن سلمنا بانها احزاب- هو التسابق في العمالة: من يرضي حاميه بعمالته ينتخبه.

الانتخاب ليس حكرا على الشعب في بلادنا بل هو حكر على الحماة. وإذا صادف فنجح أحد اختاره الشعب فالانقلاب عليه جاهز بقيادة عميل ينتظر خلف ستار. وغالبا ما يكون العميل الذي ينقلب أكثر الساسة كلاما على الوطنية والإخلاص ضد الاستبداد والفساد أي إن حاميه يسمح له بأقوال تضفي المصداقية.
فبهذا حكم العرب نصف قرن أو أزيد: خطاب للاستهلاك المحلي لإضفاء المصداقية على خونة وعملاء أفسدوا “معاني الإنسانية” في الشعوب بلغة ابن خلدون.

فإذا كان الجميع يعلم الحقيقتين هذين فكيف لم يفعلوا شيئا طيلة ستة عقود حتى يحققوا شروط التخلص من التبعية أي شروط الرعاية والحماية الذاتية؟
وإذا كان الجميع يعلم أن هذه الشروط ليست في متناول الأقزام في عصر العماليق فماذا فعلوا لتجاوز القزمية؟ الا يرون كيف تمكنت أوروبا من ذلك؟
كيف إذن اتهم باتهامهم بما ليس فيهم وهم يفعلون تماما عكس المنتظر للخروج من التبعية. فقد شاركت في تقريرين للأسكوا وفي نقد تقرير التنمية.

ماذا لاحظت؟
في التقرير الأول الذي شاركت فيه، البنك الذي وعد بتمويل المشروع أوقف التمويل لأننا رفضنا الابتزاز باتباعهم في التنكيل بالثورة. وكنت أعجب من نخب تدعي الكلام في نهوض الأمة اعتبرت الثورة مثل المستبدين والفاسدين وذراعي القوتين المهيمنتين على العرب مؤامرة غربية علينا. لكأن الأنظمة كانت “تلوي العصا” في يد الذراعين والقوتين اللتين تسندهما فيحتاجون للتآمر عليهم. حتى تبين لاحقا أن هؤلاء ساندوهم في محاربتها. عندئذ علمنا على من تمت المؤامرة إن كانت قد حصلت وأن الثورة كانت بحق حركة شعبية لا تطلب إلا الحرية والكرامة وأن الثورة المضادة هي العنيفة.

وما زال القوميون واليساريون ومن كانوا يسمونهم الرجعية العربية يتحدون ضد الشعوب التي تريد التحرر من التبعية حتى يستمتعوا بثمرة استبدادهم. وحتى عندما فاخر قادة إيران باحتلال عوصم القوميين الكبرى فإنهم يدعون أن إيران وعملاءها العرب يقاومون الاستعمار وهم جوهره أكثر من إسرائيل. الانظمة التي تدعي الحكم بالإسلام فهي في نفس الوضع ولكن مع إسرائيل: هي تعلن رفض مبادرتهم وهم يستسلمون لها دون شرط ولا قيد لرخصهم وحقارتهم.

شاهد أيضاً

الحريّة من جديد… عن الحرية والفنّ والأخلاق

نور الدين الغيلوفي 1. من مزايا الثورة أنّ المجتمع صار قادرا على البوح بأسراره وفضح ...

اترك رد