الجمعة ، 24 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / المصحف والمجاري دلالة الظاهرة العميقة وتأويلاتها

المصحف والمجاري دلالة الظاهرة العميقة وتأويلاتها

أبو يعرب المرزوقي

المصحف في المجاري؟ خبر من المفروض أن نكون على علم به منذ قرون. فما يعجب منه الناس ويحتج ضده البعض. فالمصحف مادة تحمل القرآن وليست القرآن. فما هو في المجاري منذ قرون هو منزلة القرآن في القلوب وفي السلوك وتوظيفاته الدالة على النذالة منذ قرون: فساد معاني الإنسانية (ابن خلدون).

وجود بعض المصاحف في المجاري في نسبته للظاهرة التي تعنيني يوازي ما فضحته الثورة في مواقف الثورة المضادة ليس منها فحسب بل من الإسلام والقرآن، فسياسة الانظمة الصريحة في حربها على يقظة شعوبها وعلى الإسلام ودوره المرجعي أخطر دلالة من صراحة التي يعبر بها بعض الملحدين من موقفهم منهما. وهذه السياسة ورمي المصاحف لا جديد فيهما إلا علنيتهما. وما أريد فهمه هو دلالة العلنيتين وعلاقتهما وتوقيتهما في ضوء مطالب الثورة والثورة المضادة. ذلك أن الثورة نفسها ليس جديدا فيها إلا العلنية: فلا يمكن أن يكون الشعب العربي والمسلم غير واع بما كان يعاني منه قبل الثورة أي ما ثار بسببه. فالثورة تعني أن الشعب أعلن عن رفضه الاستبداد والفساد بطلب الحرية والكرامة وما أظنه قد كان غير واع بأنهما مسلوبتين منه واللتين يطلبهما بثورته. ولا شك أن ثورته كانت كامنة ومكبوتة حتى انفجرت صريحة في هذا الوقت فكان رد الفعل عليها من الثورة المضادة بالدفاع الصريح عما ثار عليه الشعب.

والذين رموا المصاحف في المجاري هم بين هذين الصفين حتى وإن أخطأوا ضحية عنفهم الرمزي: رمي المصحف في المجاري ثورة وثورة مضادة في آن. فأصحابه من صف الثورة المطالبة بالحرية بما فيها حرية الضمير وهم من صف الثورة المضادة لأنهم ينسى الكرامة المتعلقة بالحقوق السياسة والاجتماعية. ورمي المصاحف في المجاري فعل رمزي يطلب حرية الضمير ويعبر عن موقف من النفاق الديني المفروض باستبداد اجتماعي يقتل الصدق العقدي في مجتمعاتنا وهو من ثم انحراف في مفهوم التنوير: فبدلا من الثورة على الاستبداد والفساد السياسي أصل الاستبداد والفساد الاجتماعي لجأوا لاحتجاج الجبناء. رمي المصحف في المجاري وبصورة جماعية -عدد المصاحف في نفس المكان دليل عليه- احتجاج جبان لأن المصاحف لا “تخبش لا تدبش”: هل حرق المكتبات حل؟ لذلك فرماة المصاحف في المجاري ليسوا تنويريين بل هم ممن سميتهم “كاريكاتور التحديث” في صراعهم مع “كاريكاتور التأصيل” بنفس العقلية المتخلفة. رمي المصاحف في المجاري وحرق المكتبات من نفس الطبيعة: حرب صبيانية على الحوامل المادية للفكر سواء كان فلسفيا أو دينيا. وهو موقف بدائي متخلف.

نحن إذن أمام نوعين من المجاري: التحتية التي تقتصر على رد فعل ضد حوامل الفكر (المصحف والمكتبات) والفوقية التي تتجاوزه إلى أصل كل الرذائل. عشنا قرونا ساكتين على الفوقية حتى “فسدت معاني الإنسانية” ثم نعجب من التحتية التي هي من الأعراض للداء والمفاعيل الجانبية للدواء في الحالتين. وقد سبق فدرست “فساد معاني الإنسانية” وعللها: التربية العنيفة والحكم العنيف. وهما نتيجة حالة الطوارئ التي فرضت على الأمة منذ أربعة عشر قرنا. فسدت معاني الإنسانية بتربية وحكم منافيين للحرية والكرامة لتعطيل الدستور القرآني والاستعاضة عنه بحالة طواري تعكس كل قيمه: الحصيلة ما نراه. وما نراه هو الوجه المكشوف لقالبي قيم القرآن للإيمان بالطاغوتين والكفر بالله في السلوكين الاجتماعي والسياسي فإن ذلك دليل بداية التعافي.

فحرية الضمير من قيم الإسلام وعلامتها تبين الرشد من الغي شرط الكفر بالطاغوت (السياسي والاجتماعي) والإيمان بالله دون سواه: وسطاء الرزقين. فالطاغوت الاجتماعي هو طاغوت التربية التي يكون فيها “العلماء” سلطة روحية تلغي حق الفرد في تبين الرشد من الغي بنفسه فتفرض عليه قشور الروح. والطاغوت السياسي هو طاغوت الحكم الذي يزيل دور المواطن في إدارة قسطه من الشأن العام فيكون هذا وصيا عليه في دنياه وصاية ذاك في اخراه. والثورة ارادت تحرير المواطن من الطاغوت السياسي لأنه طاغوت الحكم وعلة طاغوت التربية. لكن رماة المصاحف أخطأوا الهدف: فصوبوا سهاهم ضد المصحف. ومن حيث لا يدرون صاروا حلفاء لأصل الداء: والدليل أن زعماء الثورة المضادة مثلهم يصوبون سهامهم ضد المصحف لأنهم فهموا أنه أصل التحرير الحق.

فالقرآن بروحه وليس بحامله -الكتاب الذي رموه في المجاري- حرر البشرية من طاغوت التربية وطاغوت الحكم بإلغاء الكنسية الحق الإلهي في الحكم. وهم بحمقهم وعدم النضوج وتبين الرشد من الغي تحالفوا مع من أرجع الطاغوتين الكنسية والحكم بالحق الإلهي (ولي الامر): فهم كاريكاتور الحداثة. أما كاريكاتور الاصالة فإن الثورة هي التي ستمكن من فرز الطيب من الخبيث فيهم: الفرز ستقوم به الثورة المضادة: ستعادي أفاضلهم وتصادق أراذلهم. نظرة واحدة لما يجري في حلف الفجور الذي يعادي الثورة: فرزوا في من يدعون الانتساب للثقافة الاصيلة فاختاروا الكاريكاتور ليحاربوا الأصلاء بحق. وفي ذلك غنم كبير للثورة التي هي بدورها لم يجد فيها إلا صراحتها بما يعني انها تجاوزت حاجز الخوف مع الفرز في النخبة من لها ومن عليها.

التقاء رماة المصاحف في المجاري مع رماة رموزها الحية في السجون ليس وليد الصدفة: فكلاهما لم يرم إلا ما كان ينافق به دون فهم علة النفاق. وهما رمزا الكاريكاتورين: فلا فرق عندي بين حاكم امي يدعي العلمانية وأمي من النخب يدعي الإلحاد بسجن أفاضل العلماء وحرق الكتب ورمي المصحف. كان أميو الحكام يتنكرون بكاريكاتور الأصالة وأميو النخب يتنكرون بكاريكاتور الحداثة فجاءت الثورة لتفضح الكاريكاتورين فكشفوا وجوههم: ثورة مضادة. وما أعتبره غنما هو أن الأصالة والحداثة تبين في الغاية أنهما ما تسعى إليه الشعوب بالتحرر من أدعيائهما فكانت اللحظة لفرز ماض أفل ومستقبل أهل.

مصاحف مرمية في المجاري بالطائف

شاهد أيضاً

قتَلَتْنا الردّة يا مولاي..

زهير إسماعيل عُرف عن التيار الإسلامي في الحركة الطلابيّة، في تونس، نقده المبكّر للفكر الإخواني ...

اترك رد