الخميس ، 23 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / تعديل نظام الحكم أم تخريب الإنتقال الديمقراطي ؟

تعديل نظام الحكم أم تخريب الإنتقال الديمقراطي ؟

عادل بن عبد الله

بعد النجاح “المؤقت” لرئيس الجمهورية وفريقه في تمرير قانون المصالحة الإدارية -هو نجاح مؤقت لأنّ من المتوقع سقوط هذا القانون بعد الطعن الذي قدمته المعارضة بتاريخ 19 سبتمبر 2017 أمام الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين-، يبدو من تصريحات بعض قيادات نداء تونس ومستشاري ساكن قرطاج أنّ النية تتجه في الفترة القادمة إلى تغيير نظام الحكم من النظام البرلماني المعدّل إلى النظام الرئاسي. إنه أمر يحتاج إلى استفتاء شعبي عام، وهو ما يجعلنا على يقين من تجنّد الآلة الدعائية النيو-تجمعية لتشكيل رأي عام مساند لهذا “الانقلاب” السياسي وتسويقه بمفردات “الإصلاح” و”المصلحة الوطنية”.

لا شك في أن فكرة تعديل نظام الحكم تتأسس على حجج متفاوتة من حيث القيمة. ولكنها ترتد جميعا إلى حجة رئيسة هي ضرورة تجاوز الانسداد الذي يعاني منه الحقل السياسي بحكم التوازنات الهشة التي أفرزها النظام الانتخابي. وعوض تقديم مبادرة تشريعية تهدف إلى تعديل النظام الانتخابي المعتمد في الانتخابات البرلمانية والبلدية، فإن قوة الاقتراح التي تكاد تنحصر واقعيا في مؤسسة الرئاسة -وفي الناطقين باسمها داخل كتلة النداء وحلفائه- لم تر في القانون الانتخابي ما يستحق التعديل، اللهم إلا توسيع الصلاحيات المسندة إلى رئيس الجمهورية وتغيير نظام الحكم ذاته.

قد يكون من العسير على أي مراقب محايد للشأن التونسي أن ينفيَ هيمنة مؤسسة الرئاسة وتغوّلها واقعيا على رئاستي الحكومة والبرلمان. فرئيس الوزراء الذي هو الشخصية الأهم والأكثر نفوذا بحكم الدستور أصبح في عهد الرئيس الحالي مجرد موظف لا يختلف دوره عن دور الوزير الأول في عهد المخلوع بن علي، أما رئيس المجلس النيابي فإنه أقرب إلى التكنوقراط الفاقد لأي سند/مستقبل سياسي بعيدا عن رئيس الدولة وتوافقاته مع حركة النهضة ونفوذه الذي لا يُنكر داخل “العائلة الديمقراطية”. ولذلك من المنطقي أن نتساءل عن السبب الذي يجعل رئيس الدولة الذي يجلس واقعيا في أعلى هرم نظام رئاسوي -لا يختلف في شيء عن نظام المخلوع إن لم يكن أسوأ منه- يُصرّ على دسترة “واقع الحال” عبر تعديل نظام الحكم رغم ما يعنيه ذلك من توتّرات وتجاذبات هو في غنى عنها.

إن “شخصنة” الرغبة في تعديل نظام الحكم وربطها بالنوازع الاستبدادية لدى رئيس الجمهورية هو مسلك لا يمكن أن ينفعنا كثيرا في فهم الواقع السياسي التونسي. فحتى لو افترضنا ترشح رئيس الجمهورية لعهدة رئاسية ثانية فإنه لن يكون محتاجا إلى دسترة سلطاته. وهو ما يعني ضرورة التفكير في هذه المسألة بمنطق احتياجات النظام لا بمنطق رغبات الأشخاص. فإذا ما استطاع الرئيس الحالي احتكار السلطة -بل إفساد مسار الانتقال الديمقراطي بضرب كل الهيئات الدستورية والهيئات العليا وتدجين الإعلام والنقابات وأغلب مكوّنات المجتمعين السياسي والمدني-، فإن من سيخلفه في قرطاج يحتاج إلى قاعدة دستورية تُكرس انفراده بالسلطة وتساعده على إعادة إنتاج المنظومة السابقة وحماية مصالحها المادية والرمزية -وهو ما يحتاج إلى الإبقاء على النظام الانتخابي الحالي على حاله لتشتيت الأحزاب وضرب أي إمكانية لانبثاق “حزب حاكم” لا يحتاج إلى غيره ليحكم-.

مثلَ أي نظام تابع ومتخلف، يحتاج النظام التونسي للاستمرار بعيدا عن أي تداول حقيقي على السلطة. ولمّا كان النظام البرلماني المعدّل معطّلا لمركزة السلطة بين يدي جهة واحدة “موثوقة”، فإن تعديل هذا النظام في اتجاه العودة للنظام الرئاسوي يصبح ضرورة “وجودية” للنظام كله بعد غلق “معقّفي” الثورة. إننا أمام استراتيجية نظامية واعية تهدف إلى ضرب أي توجّه جدي نحو تحرير المجتمع من نوازع الاستبداد التي ستنشأ لا محالة من مركزة السلطة بين يدي شخص واحد، كما أننا أمام استراتيجية مدروسة للانقلاب على اللامركزية والحكم المحلي من جهة أولى، ولضرب السلطة التشريعية من جهة ثانية. وهو توجه عام يهدف إلى منع انبثاق أي بديل جدي من خارج المنظومة الحاكمة.

لقد عملت مؤسسة الرئاسة منذ تولي السيد قائد السبسي الحكم في 2014 على إفساد الحياة الحزبية من خلال انحياز الرئيس لابنه وتفتت النداء إلى “شقوق” كثيرة”، كما عملت هذه المؤسسة على إفساد النظام البرلماني المعدّل ومنعه من الاشتغال بصورة طبيعية بعيدا عن تدخلات القصر والمستشارين. بل يمكننا القول بأنّ رئاسة الجمهورية قد تعمدت في أكثر من مناسبة تأزيم المشهد السياسي و”تسفيه” المجلس النيابي وتتفيهه -وهو تتفيه لا يدّخر النواب أنفسهم جهدا في ترسيخه أمام الرأي العام-. ولا شك في أنّ ذلك كله كان يهدف إلى إيجاد قابلية شعبية أو حتى مطالبة شعبية بتعديل نظام الحكم ودسترة النظام الرئاسي لمصلحة النظام كله لا لمصلحة الرئيس أو ابنه حافظ قائد السبسي. فمركزة السلطة تساعد على استمرار النظام بعيدا عن التداول الحقيقي للسلطة، وهو مطلب نظامي قبل أن يكون مطلبا شخصيا.

مما يُروى عن الفاروق عمر بن الخطاب (رض) أنه قال: “نصف العقل معرفة ما يكون بما قد كان”. وقد يكون على التونسيين إذا ما ذهبوا للاستفتاء على تعديل نظام الحكم أن يسألوا أنفسهم الأسئلة التالية: هل توجد تجربة واحدة لنظام رئاسي عربي لم يتحول إلى نظام رئاسوي استبدادي؟ هل رئيس الدولة الحالي -الذي قاله سنة 2011 أمام “الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة” أنه “يحكم بمفرده ولا يقبل أن يشاركه أحد الحكم” رغم أنّ شرعيته مؤقتة وهشة- هل هذا الرئيس يمكن أن يكون رئيسا لكل التونسيين أم إنه فقط مجرد واجهة سياسية للمركّب المالي-الجهوي-الأمني الحاكم قبل الثورة وبعدها؟ لماذا لا يُعدّل النظام الانتخابي الذي وضعه المشرّعون وهم محكومون بفوبيا “تغوّل النهضة”، ولماذا يحرص الرئيس وحزبه على ضرب الهيئات القضائية كالمحكمة العليا والمحكمة الدستورية وغيرها إن لم يكن يريد تدجين باقي السلطات التشريعية والقضائية واستلحاقها بمؤسسة الرئاسة؟

إنها جملة من الأسئلة التي قد يكون على الطبقة السياسية كلها -قبل عامة المواطنين- التعاطي معها بجدية. فالسيد الباجي قائد السبسي وحزبه لم ينجحا إلا باللعب على تناقضات الشركاء والخصوم وتوظيفها من أجل عودة المنظومة التجمعية للحكم. وقد يكون تعديل نظام الحكم لحظة مفصلية من لحظات الانقلاب على مسار الانتقال الديمقراطي والعودة به إلى مربّع 13 جانفي 2011، ولكنه قد يكون أيضا لحظة مفصلية من لحظات استعادة ذلك المسار ومنع الانقلاب عليه بصورة لا تقبل التدارك إلا بكلفة دموية كبيرة.

عربي21

شاهد أيضاً

قتَلَتْنا الردّة يا مولاي..

زهير إسماعيل عُرف عن التيار الإسلامي في الحركة الطلابيّة، في تونس، نقده المبكّر للفكر الإخواني ...

اترك رد