الإثنين ، 11 ديسمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / حكايات إمبراطوريّة : سيرة ذاتيّة

حكايات إمبراطوريّة : سيرة ذاتيّة

نضال السالمي

أهدي هذا النصّ لروح جدّي الإمبراطور “محمّد الحسني بن يونس السّالمي” الّذي أنجب 18 خالا و خالة هم الأروع في الخمس قرون الأخيرة من عمر البشريّة دون أن أراه يوما يستعمل العنف أو التوبيخ لتربيتهم ودون تذمّر أو غضب.. ليجعل من كلّ واحد أو واحدةٍ منهم إنسانا قادرا على حكم قارّة بأكملها لما فيهم من الذّكاء والحكمة والسموّ.. في حين يغرق الناس المعاصرون جدّا في تربية إبن وحيد أو آثنين على أقصى تقدير.. فنراهم يبذّرون مال قارون ليربّوا في النهاية محتالا أو سياسيّا مخادعا أو بائع زطلة أو مريضا نفسيّا أو حثالةً ما من حثالات الشوارع.. إلّا ما رحم الله..
لجدّي.. لذاك الرّجل الفارع الطّول.. بعينين حادّتين كعيون صقر فخور.. لهُ وحده أكتب إنصافا وحبّا وعرفانا :

____________ حكايات إمبراطوريّة : سيرة ذاتيّة

لا يعلمُ أحدٌ في هذا العالم على وجه التّحديد كم عددُ أخوالي وخالاتي، ولا أعني طبعا ما أُسمّيهم بالأخوال الرسميّين الّذين وقع تسجيلُهم في دواوين الدّولة وفي الوثائق الإداريّة والبالغين ثمانية عشر بالتّمام والكمال بل أعني عددهم الحقيقي إذا آعتبرنا عدد من ماتوا صغارا بسبب فقدان العناية الطبيّة في ذاك الزّمن الغابر، وعَدَدَ من وقع خطفهم وسرقتهم من نساء محروماتٍ من الإنجاب كُنَّ يتسلّلنَ ليلا في ذاك العهد الآفل ليختاروا ما يشاؤون من تلك الكوكبة الّألاءة من أذكياء الدّهر، دون أن ننسى عدد المفقودين في فوضى حروب التّحرير من الإستعمار أو أثناء الفيضانات والكوارث الّتي مرّت بإمبراطوريّة السّوالم الصّغيرة والّتي لم يتجاوز تعداد سكّانها في أزهى عصورها الألف ساكن.

لقد شغلتني هذه القضيّة طويلا وقمتُ ببحوثٍ جبّارة عسى أن أقدر أخيرا على حِفظِ تلك السّلالة الفريدة من جحود التّاريخ وغدرات الأيّام، ولكنّي توصّلت لقناعة نهائيّة أن لا أحد على وجه الأرض خاصّة بعد وفاة جدّاتي يعلم عددهم بالدقّة المطلوبة.. حتّى جدّي الّذي لا يزالُ على قيدِ الحياة كآخر إمبراطور عربيّ نبيل على إعتبار أنّه قد حكمَ قرية في عظمة السّوالم لا توازيها من حيث الأهميّة التاريخيّة غير أثينا الإغريقية وتحديدا أثينا ما قبل التاريخ لأنّ أثينا الّتي أطلّ عليها التاريخ قد إنتهت إلى إنحطاط كبير ومتواتر بدأ منذ تقهقر جيوش الإسكندر وآنتهى إلى هذا اليساري المغشوش سيريزا بآنبطاحٍه الأخير لرعاع أوروبا الّذين تعلّموا التحضّر على فلسفات أفلاطون وأرسطو ومسرحيات أوروبيدوس وآسخيلوس ثمّ صاروا يتحكّمون بالمجد الإغريقي عبر مصارف الأموال ولوبيّات الهيمنة..

لقد حكم جدّي إمبراطوريّة السّوالم العتيدة لأكثر من نصف قرن دون أن يُصدر يوما أمرا واحدا فقد كان بعبقريّتهِ المعهودة يجعلُ السكّان يقومون بالواجب عبر حيلٍ عقليّة متينة يُقنِعُ بها رعاياه أنّهم لا يقومون بواجب تجاه أحد آخر غير ضرورات الطّبيعة وعظمة المنطق وهو ما جعل أهل السّوالم يمتازون على مستوى الوطن بتفوّقهم الواضح في الرياضيّات والفلسفة ذلك بأنّهم آعتبروا الرياضيّات على الدّوام سرّا من أسرار الطّبيعة وآعتبروا الفلسفة حتميّة من حتميّات الوجود الإنساني وبالتّالي فلم يواجهوا صعوبات تُذكَر تمنعهم من التميّز في هذه العلوم حتّى كان المارّ من قريتنا يعتقد أنّه يمرّ بقريةِ مجانين لِمَا يراهُ من شرود النّاس تحت الحيطان وفي الأنهج أو في المقهى الوحيد بقريتنا وهو شُرودٌ لا يعود للجنون كما كان مُتداولا بين القرى المجاورة أو لعارضٍ من أعراض الشّيخوخة الّتي كانت تصيبُ السكّان منذ العشرين من العمر ولكنّه شرود فلاسفة آخر الزّمان حيث يهيم الأهالي كلّ يوم بين التّاسعة صباحا والحادية عشر وليلا بعد العاشرة في موجة تفكير عميقة حول ما في هذا الوجود من أسرار وألغاز تنتهي بهم في الحصّة الصباحيّة إلى الضّحك وفي الحصّة المسائيّة إلى إغراقِ وسائدهم في نهرٍ من الدّموع..

ولقد عاشوا قرونا طويلة على هذه الحالة الثّابتة من القهقهة القلسفيّة صباحا والبكاء الحضاري ليلا دون أن يُعَانوا أيّ مللٍ أو ضيقٍ حتّى آكتشفوا مصادفة أثناء حديث جانبيّ أنّهم كانوا وفي صمتٍ مطبق يفكّرون في نفس الامور فيبكون ويضحكون لنفس الخواطر النفسيّة بل والأدهى من ذلك أنّهم كانوا يحلمون الأحلام نفسها كلّ ليلة حتّى صاروا يتخاطبون روحيّا بأساليب تتجاوز حدود المنطق وتتعالى فوق أكثر طيور الخيال قدرة على التّحليق.. حتّى وصل بهم الأمر أن يدخل أحدهم في أحلام الآخر ليذكّره بموعد الغد في السّوق الأسبوعية أو يتسلّل هذا الشابّ لأحلام محبوبته تلك ليعلن لها في أكثر بساتين الخيال بهجةً عن حبّه الأبديّ و آستعداده الدّائم لتكوين جيش من ألف مقاتل ليُخضِعُوا أباها بالسّلم أو بالقوّة لمشيئة الحبّ الّتي لا تُقهَر ولكنّه كثيرًا ما حدثت مفاجآت سيّئة أثناء فوضى الأحلامِ تلك كأن يقتحم الأب حلم إبنتهِ فيوبّخ حبيبها المتحمّس ويشكوه لأباها أو أن يتخاصم رجلان حول بقرة سمينة قد ضاعت من القطيع في متاهات الخيال الأكثر غرابة على الإطلاق..

وهكذا كان على جدّي أن يعالج كلّ تلك المشكلات العجيبة ويصبر على تذمّر الأهالي من إنكشاف أحلامهم للجميع فكان يجوب أرجاء القرية أوّل الليل مذكّرا كعادته : “إلتزموا أخلاق الإسلام ولا يتجسّس أحدٌ على أحد… وليلزم كلّ منكم منزلهُ وأحلامه ولا تتفاضحوا فيفضحكم الله”..

وفي الحقيقة أنا لا ألوم جدّي الّذي كانت رأسه تعجُّ بالقضايا والهموم الواقعية والخيالية وبشعبٍ من الفلاسفة لم يمنعهم من تأليف الكتب للبشريّة جمعاء إلّا لسببين لا ثالث لهما، أوّلهما أنّ أهل السّوالم الّذين عاشوا في فجوات الجبال وخلف خطوط التاريخ ما كانوا يتصوّرون أنّ البشريّة بهذا العدد المهول من الناس فقد كانوا يعتبرون أنفسهم مركز العالم وحولهم بعض القرى المنسيّة والّتي لم تكن تتفوّق عليهم إلّا في الرفاهيّة الماديّة وهو أمرٌ لم يكن يعنيهم إطلاقا وثاني الأسباب أنّهم لن يجدوا من يقرأ كتبهم تلك على آعتبار أنّهم مجتمع صغير من الفلاسفة وعباقرة الرياضيّات والأدب وبالتّالي لم يكن ثمّة قرّاء بل سنجدُ أنفسنا أمام حلقةٍ مُفرَغة لكتّابٍ يكتبون طيلة الوقت دون أن يكون ثمّة من يقرأ لهم لأن الجميع منشغلون بالكتابة..

وهكذا تفهّمتُ مسألة أن لا يتذكّر جدّي على وجه التّحديد كم عدد أبنائه الّذين من صلبه وقد حاولنا مرارا حسابهم.. فوجدناهم مرّة أقلّ من المائة بقليل ووجدناهم مرّات أخرى فوق المائتين.. حتّى آنتهى بي الأمر للإستسلام للأمر الواقع ونسيان مسألة الإحصاء حيناً من الزّمن قبل أن تعود الحُمّى مرّة أخرى حين رأيتُ في الحلم أكثر من خمسين إمرأة وقفنَ أمامي في طابورٍ طويل لتدّعي كلّ منهنّ أنّها تزوّجت جدّي في إحدى منعرجات التّاريخ حين كان يقاتل الإستعمار مُتخفّيًا فينتقلُ من قرية إلى أخرى أو حين كان يُطيلُ الأسفار بحثا عن بيض الحكمة أو عن لآلئ المجد في أبعد فجوات هذا العالم المتداعي للإنهيار.. ورأيتُ مع كلّ إمرأة منهنّ عشرات البشر بين أبناء وأحفاد مزعومين وعلى وجوههم بريق العيون نفسها الّذي يلمع من عيون أهل السّوالم نتيجة طول بكائهم لنكبات الدّهر وتراكم الغبار فوق أقدم الأحلام جمالا وجاذبيّةً.

حين أفقتُ من نومي رأيتُ جدّي في ركن الغرفة ملتحفا برنُسَه وغارقا في أحزان إمبراطور قد شارف على المائة عام فنظر لي وقد بلّلت الدّموع خدّيه : ” يا بنيّ لقد شارف الزمان على النّهاية، وتغيّر النّاس وفسد التاريخ.. فلا تصدّق النّساء في الأحلام.. بل طهّر قلبك وأرهِفِ السّمع لموسيقى الروح.. فستأتيكَ الحقيقة بيانا وأعدادا وأسرارًا “.

قالها جدّي.. ثمّ طارَ كالنّسر في أعالي السّماء ملوّحا بيديه ومحلّقا فوق السُّحُب والذُّرى : إمبراطورًا من لؤلؤ الخيال.

شاهد أيضاً

سيناريو على حافة الحلم: ليس يائسا وليس تبشيريا

عبد الرزاق الحاج مسعود القدس اصطلاحا أغلب ردود فعل شعوب العرب والعالم الإسلامي على قرار ...

اترك رد