السبت ، 18 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / قيادة الصبيان أو استبدال السفهاء بالرشداء

قيادة الصبيان أو استبدال السفهاء بالرشداء

أبو يعرب المرزوقي

استعمل عادة منهج “الفكشن” لتحليل الأحداث. والفكشن في استعمالها المنهجي وليس الأدبي تعني أبدوعة رمزية، تمكن من تخيل وضعيات تساعد على التحليل.
سأفترض أن رابوع الصفقة -السعودية وتابعتها والإمارات وتابعتها- مخلصين لقضايا الأمة. وأن استراتيجييهم بلغوا من الدهاء ما بلغه معاوية مع بيزنطة. سأتخيل أنهم يتظاهرون بالخضوع لإرادة ترامب وإملاءات إسرائيل للحصول على هدنة في جهدهم التنموي مثل الصين، فيستردوا فلسطين بحصول القوة دون حرب.
ولما كنت شبه متأكد من عبقرية “صبيان” القطبين (السعودية والإمارات) وإخلاص التابعين (البحرين ومصر) فكل من يوافق، عليه أن يشكر لاورنس العرب وذيله. لاورنس العرب وذيله هما بلار ودحلان. فهما من نعم الله على الخليج إذ بقي بين يدي الصبيان: سيفعلان به أكثر مما فعل لاورنس العرب بالخلافة.

لماذا أحتاج لهذه الأبدوعة لتوصيف ما يجري فيما كتبته إلى حد الآن حول الصفقة، معتبرا إياها قمة الخيانة وكان يمكن أن يكون قمة الولاء للاستئناف؟
فلو فرضنا قيادات الرابوع ليست رأس الثورة المضادة، والاستسلام للأعداء حفاظا على الاستبداد والفساد، لكانت الأبدوعة استراتيجيا ممكنة مثل الصين.
فالصين هادنت الأعداء، وعملت لتصبح قوة. وحينها صار المحتلون لبعض جزرها يتمنون عليها استرجاعها بلا مقابل حتى تقبل التعامل معهم بوزنها الجديد.
كما أن المانيا اختارت هذه الاستراتيجيا حتى صار السوفيات يترجونها قبول التعامل معهم، وتسليم ألمانيا الشرقية لها، وحتى جل أوروبا الشرقية.
وطبعا فشرط مثل هذه الاستراتيجيات، دهاء معاوية وبناء دولة قادرة على اخراج بيزنطة من جل مستعمراتها في حوض المتوسط قبل أن يعلن عليها الحرب.

أما من يعمل كل ما يستطيع ليجعل بلده محمية ومتسولة، فلا يمكن أن تكون صفقاته استراتيجية لصالح الأمة. بل هي للحفاظ على كرسي محمية بلا سيادة.
الصين وحدت آلاف الإمارات والدويلات، وخططت لتنمية اقتصادية في سوق كبرى. وألمانيا تعافت في أقل من نصف قرن. أما الرابوع، فإدباره لا ينتهي.
لما كنت في ماليزيا، كتبت مقالة وضعت فيها مثل هذا الفكشن، وتمنيت على الجامعة العربية أن تعمل ما عملت أوروبا بعد الحرب لتستعيد شروط الدور. وبينت في الفكشن الشرطين:
– تكوين ما يشبه الوحدة الأوروبية للتكامل العربي وجعل الجامعة للشعوب وليس للأنظمة.
– ثم المهادنة لتحقيق شروط التنمية.

ذلك أني كنت واثقا من أمرين: فالأقطار العربية من دون التكامل، حتى لو وضعت كل انتاجها الوطني وصلحت قياداتها، لن تستطيع حماية ذاتها ولا رعاية شعبها.
فتفتيتها الجغرافي كان القصد منه تحقيق هذه الغاية: جعلها كلها بحاجة لحام ومساعد في الظاهر. وهو في الحقيقة مستعمر يحمي استبداد عملائه وفسادهم.
والشرعيات المبنية على تشتيت التاريخ المشترك، وظيفتها جعل كل شعوب الإقليم في حرب أهلية لا تنتهي بحجة طائفية أو عرقية. وكلتاهما لتوطيد التبعية.
وكلامي على الفكشن هدفه بيان أن الرابوع ليس له أي استراتيجية عدا استراتيجية مفروضة عليه، هي استراتيجية إيران وإسرائيل بتكامل دهائهما ودورهما.
فإيران توهم الشعوب بأنها تنوي تحرير فلسطين وتحميهم من إسرائيل. وهذه توهم الأنظمة بأنها تحارب إيران لتحميهم: وهما ذراعا القوتين المساعدتين.
وهذه هي الفكشن الحقيقية: كلا الذراعين وضعا خطة خيالية تتمثل في الإيهام بأن ما يجري حرب بينهما، لكنه في الحقيقة خطة لاسترجاع الامبراطوريتين.
وآخر خطوة في تحقيق هذه الخطة، هي استكمال احتلال ما بقي من الإقليم، أي الخليج كله، بعد احتلال ما حوله من الجهات الاربع شرقا وغربا شمالا وجنوبا.
لم يبق للحكمة وجود في الخليج وفي مصر وفي العراق وفي سوريا وفي اليمن، فبقي المتخلفون ذهنيا لينفقوا كلفة تهدم إيران وإسرائيل أمتهم.

شاهد أيضاً

هل يقبل القوادون برفع الوصاية عن المساجد ؟؟

الأمين البوعزيزي • على مدار عقود طويلة مارست مقرات حزب الحاكم اللصوصية (عدم خلاص فواتير ...

اترك رد