السبت ، 18 نوفمبر 2017

البطّة السوداء

سامي براهم

“coup de cœur البطّة السوداء”

كلّنا قرأ في طفولته تلك القصّة التي وجدت فيها بجعة نفسها بين سرب من الإوزّ حيث تعرّضت للتمييز والإقصاء والسخرية بسبب اختلاف اللون والشكل، لا أدري لماذا تذكّرت تلك القصّة وأنا أشاهد حلقة يوم الجمعة الأخيرة من برنامج 24/7 حيث وقعت مشادّة حادّة بين الكرونيكور شكيب درويش وأحد زملائه في الحصّة.

في الواقع هذا الكرونيكور المثير للجدل والموصوم في نفس الوقت بمشاركته في تجربة الترويكا من خلال عمله في وزارة حقوق الإنسان وكذلك من خلال مرجعيته التي يقع فيها الخلط بين السياسي والثقافي فهو النهضويّ قسرا رغم أنفه وإن لم يكن منتميا لهذا الحزب.

هذا الكرونيكور الذي كثيرا ما يتعرّض للهرسلة أثناء مشاركاته التلفزيّة سواء من طرف الضيوف أو من طرف زملائه في البرنامج وكلّما حاول أن يعبّر عن مواقف وأفكار تنقض الأحكام المسبقة والجاهزة حوله إلا وازدادت حدّة ردود الأفعال تجاهه لمحاصرته وإرباكه وإظهاره في شكل المتناقض ومزدوج الخطاب…

هذا الكرونيكور يعيب عليه عدد ممن يشترك معهم في المرجعية الثقافية حضوره في البرنامج إما بسبب قبوله السياقات المتّسمة بالميوعة في نظرهم من خلال بعض الاستضافات الفنية أو بسبب الأجواء المشحونة التي وصلت حدّ استهدافه وإهانته بشكل مباشر، ومن هؤلاء من شنّع عليه في ذلك ودعاه لإيقاف تجربته حفظا لكرامته وماء وجهه.

كما يعيب عليه كذلك كثير من منتقديه وخصومه الآراء التي يعبّر عنها مهما كان اتّجاهها ومضمونها، و ن الضيوف من يهاجمه بشكل مجاني منذ بداية الحصّة، بل هناك من يضنّ عليه المواقف الهادئة والمتوازنة التي تصدر عنه أحيانا ويغتاظون من بعض تخريجاته الرشيقة خاصّة في المساحات الحرّة للبرنامج التي لا تخضع للنقد والجدل حسب قواعد البرنامج coup de cœur / de gueule ومع ذلك لا تسلم من تكسير القاعدة بنقدها والتشكيك في مضامينها.

هذا المحامي الذي يعرف المقرّبون منه ما يتميّز به من صفات الحياء والخجل والأدب واللطف والظّرف وبعد أن انفتح على الإعلام المرئي في مرحلة حسّاسة تُعرف بإعلام الأجندات والتنافس المحموم على التسويق والاستشهار، وبعد فترة متقدّمة من هذه التّجربة التي يمكن أن يقال فيها الكثير عن أدائه، أصبح لدينا انطباع خاصّ وطريف وإشكالي عن حضوره في هذه القناة:

فحضوره يحقّق في نفس الوقت هدف تكريس صورة التنوّع والتعدّد وإن على مستوى الشّكل ولكنّه يحقّق كذلك هدفا آخر من خلال الحرص على ترذيله وإرباكه ومصادمته والتعريض به همزا ولمزا في كلّ حصّة تقريبا، أحيانا بسبب مواقفه الخلافيّة وعدم خضوعه للنّمط المراد تكريسه وأحيانا أخرى بشكل مجاني، فأصبح حضوره بمثابة “الشرّ” الذي لا بدّ منه.

يُرَادُ له أن يكون حاضرا ولكن ضمن برواز نمطيّ يرضي انتظارات أصحاب الأفكار المسبقة ومكبوتاتهم النفسيّة وأحكامهم الجاهزة والسقف الذي ضبطه خطّ التحرير، يجب أن يكون حاضرا ليلبّي الحاجة الماسّة لوضعه في الزّاوية ليس هو في شخصه ولكن من فرض عليه قسرا وإسقاطا سياق الحصّة أن يكون ممثلا لهم ولو بشكل رمزيّ.

صبر هذا الكرونيكور على كلّ الإهانات وعمليات المحاصرة والاستهداف الموجعة والمهينة أحيانا واجتهد في إبراز مواكبته للشّأن السياسي والثقافي والتعبير عن قناعاته بأشكال تتفاوت من حيث الحدّة والاتّزان رغم كلّ الفخاخ والمطبّات، وربّما هذا ما قوّى وتيرة استهدافه في الحلقة الأخيرة بشكل فجّ ومباشر ومجاني غير مبرّر واتّهامه بالدعوة للدولة الدينيّة والشريعة الإسلاميّة وطرد اليهود من البلاد !!!، هكذا بدون مقدّمات وسياقات مبرّرة في ما يشبه عمليّة التّدمير الشّامل !!!

هو بكلّ بساطة تلك البطّة السوداء التي ينفر منها القطيع النمطي للإوزّ مهما حاولت أن تتلطّف وتتودّد وتتعقّل، المتّهمة باختلافها والموصومة به مهما كان معدنها وجوهرها وشفافيّة روحها.

هي قصّة الصغار التي تعلّم أطفالنا التعايش رغم الاختلاف، وهي قصّة الكبار كذلك التي تكشف المزاجات الثقافيّة المتشنّجة والاصطفافيّة التي تحتاج علاجات بسيكوثقافية عميقة يحقّقها التواصل مهما كانت عوائقه.

نحتاج ثقافة الدراويش أحيانا وفلسفتهم البسيطة والعميقة في آن واحد لتجاوز الإساءة ومواصلة الحياة بقلوب نقيّة خالية من الضّغينة يتغلّب فيها الأصفياء.

شاهد أيضاً

هل يقبل القوادون برفع الوصاية عن المساجد ؟؟

الأمين البوعزيزي • على مدار عقود طويلة مارست مقرات حزب الحاكم اللصوصية (عدم خلاص فواتير ...

اترك رد