مقالات

فتحي المسكيني أو الفلسفة تحت الطلب

نور الدين الغيلوفي

1. أنا أحترم، كثيرا، فتحي المسكيني. أقرأ غير قليل ممّا يكتب وأتابع ما أجد من مداخلاته ومحاضراته. الرجل كاتب بارع ومترجم ذكيّ، ترجم لكانط ولهيدجر ولرورتي ولغيرهم.. وهو من المتربّعين على عرش التفلسف في تونس. يعجبني قلمُه وإن كان بعبارته التواءات متكلَّفة ليست من الفلسفة في شيء. وبفكرته ميوعة يميع وراءها التعبير. يعجبني أسلوبه الجُبراني حين يكتب ولكنّه يبقى، في فهمي، أسلوبا بلا روح. لأنّه ببساطة لا يملك فكرة تامّة يبلّغها. ولا يملك وضوح جبران العميق. يريد أن ينأى بنفسه بعيدا يبحث له عن مكان بين فلاسفة التنوير والمستشرقين فلا يجد. لم يرض بأن يكون من تلامذة المستشرقين ولم يرْقَ إلى مقام تلاميذ كبار الفلاسفة والمفكّرين.

فتحي المسكيني
فتحي المسكيني

2. لا أراني في مستوى يقرّبني إلى ما يكتبه الرجل الذي أعدّه من بين الأفذاذ إذا كتب. أمّا إذا تكلّم ظهر غيرُ قليل من تهافته. الفلاسفة أغلبهم، في ما أعلم، يسكنهم غرورُهم. ولأنّ الكتابة بلاغة للغياب تقتضي رصانة فقد غاب عن كتابته زهوُه بنفسه.. وجاء تعبيرُه على قدر من الرصانة لا يخفى.

الزهو يظهر على ملامحه حين يتكلّم ويحكيه أداؤه.. تتقطّع له جُمله ويضيع اتّساقُ الخطاب ويغيب انسجامُ الفكرة. وينتشي وهو يرقب علامات الحيرة على وجوه الحضور، كأنّ الفيلسوف لا يأكل إلّا من التلبيس على جمهوره المستهدَف ليُشهَدَ له بالفلسفة. ولمن شاء أن يطّلع على ذلك فليتابع له، مثلا، محاضرته التي عنوانها كانط والإسلام. تتابع الكلام فلا تظفر منه بشيء، لا لصعوبة التفلسف فيه، بل لغياب الفكرة الناظمة. تفهم أنّ الكلام قد بلغ ذروته مع العنوان.. ثمّ انحدر المعنى حتّى تلاشى وصار أقرب إلى المسامرة. جاء بمعلومة مفادها أنّ كانط صدّر رسالته بالبسملة، غير أنّه، استنكف، وهو يروي القصّة، عن نطق البسملة، مخافة أن يسقط، بنطقها، من شجرة الفلسفة.. قديما قالوا “ناقل الكفر ليس بكافر”.. ولكنّه لم يسمع لقولهم.

المسكيني لا يزال يظنّ أنّ المعرفة معلومة يحتكرها حاملُها لا يعلمها غيره. تراه يأتي بمعلومته فرِحا بها فرَحًا طفوليًّا، وحين يضعها يذهب فرحُهُ ويلتوي به الكلام.. ويقضّي وقته يدور حول نفسه.. فيصيبك من قوله الضجرُ.

3. اللافت أنّ عمر المسكيني المرئي خارج أسوار الجامعة بدأ مع منظّمة مؤمنون بلا حدود انتدبته فصار يكتب في اتجاهها “الإيمان الحرّ أو ما بعد الملّة”، “الدين والامبراطوريّة”. كانت أطروحة الدين خارج فلسفة المسكيني حتّى جاءت دويلة الإمارات ببترودولارها ونصبت شباكها في صيد نخبة عربية تدّعي استعمالها للتنوير وهي لا تستعملها في غير محاربة مدّ الإسلام السياسي الذي تصاعد مع الانتخابات التي جاءت بها الثورات. لم تفلح الأطروحة الأمنية لأنظمة ما قبل الثورات في القضاء على الإسلاميين رغم كلّ الذي فعلته بهم، فجاءت الإمارات بالأطروحة “التنويرية” لتحاصر الإسلاميين من باب الإقناع بالأفكار هذه المرّة دون أن تغفل استمرار الحلول الأمنية ضدّهم.

4. قناة الغد قناة إماراتية شعارها تنويريّ جعلت لها أهدافا من بينها:

  • معالجة قضايا التطرف الديني، ونشر الفكر التنويري، خاصة بين جيل الشباب.
  • تعزيز ثقافة الحوار والتسامح في المجتمعات.

ولأنّ الإمارات تتحرّك ضمن قاطرة التطبيع مع العدوّ الصهيونيّ فقد انخرطت في ما بات يُعرف بالبيت الإبراهيميّ الذي بنته في عقر دارها للترويج للديانة الإبراهيمية التي تدعو إلى صهر الأديان السماوية الثلاث (الإسلام والمسيحية واليهودية) في دين جديد واحد.

لقد فهمت الدوائر المتنفّذة في الإمارات أنّ فلسفةً لم تهزم، يوما، دينا من الأديان، حتّى أكثر الأديان خرافة. ولأنه لا يمكن لفلسفة مهما كان بناؤها النسقيّ والدينيّ أن تستطيع إسقاط دين فقد كان لا بدّ من صناعة دين جديد، إذ لا يهزم الدينَ إلّا دينٌ مثله. ومن ذلك جاءت فكرة الديانة الإبراهيميّة.

ولعلّ المسكيني من بين الأحبار المنتدَبين للتبشير بالدين الجديد انسجاما مع عنوانه “الإيمان الحرّ أو ما بعد الملّة”.

5. في هذا الأفق يأتي تصريح المسكيني الأخير لقناة الغد الإماراتية ذاك الذي نفى فيه علاقة الإسلاميين بمفهوم الثورة، وحجّتُه أنّ الثورة مفهوم جديد بينما الإسلام مرجع الإسلاميين دين قديم سابق على ولادة مفهوم الثورة.. وهو في ذلك لا يكاد يختلف عن السلفيين الذين يُنكرون كلّ جديد.

لست هنا في وارد الدفاع عن الإسلام ولا عن الإسلاميين.. ولكنّني رأيت في التصريح تهافتا ينزل بصاحبه إلى تفاهة لا تليق بفيلسوف بحجم المسكيني. ولست معنيا بمحاججته لدحض فكرته. ولو أنّه تذكّر وهو يتكلم حدثا جرى في أواخر القرن العشرين يدعى الثورة الإيرانية أو التفت إلى الثورة العباسية في القديم لربما كان استنكف عن حكمه المتهافت الذي لا يعدو مناكفة إيديولوجية تخون الفلسفة لترضيَ الجهة المانحة الآمرة بالكلام.

6.كنت سأحترم فتحي المسكيني لو أنّه كتب كتابا نقد فيه الإسلام وبيّن فيه تهافت أطروحات الإسلاميين بلغة فلسفية متجرّدة للمعرفة، ولكنّه سقط بكلامه سقوطا مدويا لن تشفع له معه سلّة الكتب التي كتبها ولم يكن لها وفيّا.

7. لقد انكشف لي سقوط فتحي المسكيني، من قبلُ، حينما كتب مقالة جعل حبرها من دخان لحم الإخوان المشويّ عند فضّ الانقلاب المصريّ لاعتصام رابعة بالقاهرة.. حينها كتب الفيلسوف مقالا بعنوان “أخونة الموت” مما جاء فيه ((ما دخل الفقراء الجدد، أي الذين لا يملكون شروط حريتهم، في الدفاع عن دولة “إسلامية” لم تقع ؟ من كلّفهم بالدفاع عن “الله” المحمّدي ؟ فمن يسمع شعارات المعتصمين يتعجّب من قدرة الحشود الخارجة عن الحاكم الجديد في مصر على الاعتصام بحبل الله في وقت لم تعد فيه الشعوب تطمع في أيّ آخرة)).

كان يمكنه وقتها أن يكتفيَ بصمته احتراما لدماء الأبرياء ولكنّ زهوه حمله، وربّما غروره، على مهاجمة الضحايا دفاعا عن دولة رأى فيهم تهديدا لها.

لا تزال كلماته منذ إحراق المعتصمين في رابعة شاهدة عليه.. لقد كتب وقتها:
(( لقد تمّ تحويل الدفاع عن الشرعية إلى دفاع لاهوتي عن الإسلام والله والمقدسات وتطبيق الشريعة والدولة الدينية وأخونة المجتمع،…الخ. ووقع انزلاق من مشكل مدني عادي حديث إلى استشهاد ديني وجهاد “للكفار الانقلابيين” على انتصار “الأمة”)).

وبدل أن يدين الفيلسوفُ التنويريُّ القاتلَ أوغل في إدانة القتلى بقوله:
((لقد تمّت أخونة الموت من أجل تدجينه واستعماله كأداة ضغط سياسية على الدولة الحديثة بوصفها خصما انتخابيا مجردا. وهذه كارثة أخلاقية سوف تؤجّل مجيء عصر الحرية في أفقنا المدني إلى أجل غير معلوم)). لست أرى أكثر من هذا الكلام وقاحة وجرأة على القتلى.

8. الرجل وفيّ من البدء، وهو الذكيّ الألمعيّ، لنهجه. لقد أختار تنويرا معمّدا بدم الإسلاميين ليكون جديرا بمقام الحَبر الملحق بالبيت الإبراهيمي الحداثي.

اترك رد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock