مقالات

ناتنياهو وحربه النفسية يخوف حماس بمواصلة حرب بقاء خسرها

أبو يعرب المرزوقي

1. لا اصدق أن ناتنياهو لم يغز آخر مربع في غزة رحمة بأهلها أو بسبب عديدهم ولا بسبب موقف أمريكا ولا بسبب موقف “المومانعة المزعومة”. رأيي مخالف لذلك كله: فجيشه لم يعد قادرا على مواصلة الحرب لعلمه أولا أنه لم يسيطر على ما غزاه وليس له قوة كافية لمواصلة الحرب في كل غزة في نفس الوقت.

نتنياهو وحرب النفسية
نتنياهو

2. عندي قرينتان بمنزلة الدليل شبه القاطع: الأول طرح مشكل تجنيد المتدينين وتوقفه عن ذلك ومناورته لأن ضرورته بينة لكن تحقيقه قد يسقط حكومته والثاني تمديد مدة الخدمة للاحتياطيين وهو ما قد يؤدي إلى هروب اغلبهم من إسرائيل فضلا عن تبعات الحرب على مستوى معيشتهم بسبب تدهور الاقتصاد والتضخم.

3. لكن القرينة الأهم وهي الرابعة تتمثل في لامبالاته بموقف أمريكا كعادته ونفاق أمريكا التي ما تزال تختلق المبادرات التي تريد ما يسعى غليه وتغلفه بما يبدو تنازلات حتى إذا رفضت حماس الأمر لأنها فهمت المناورة تحملها المسؤولية فتعد مبرر ناتنياهو لإراحة جنده والاستفادة من أهم حقارة.

4. وأهم حقارة هي الابتزاز بالتجويع: فالغرب أثبت دناءته لأنه لا يستحي بجعل الحد منه هو المقابل لاستسلام حماس والتخلي عن أهم ورقة لديها أي الأسرى. كل ذلك يرد إلى نوعين من السفالة: 1. هو رهن الحل الموعود إلى أوسلو ثانية والتفاوض مع إسرائيل على كذبة الدولتين. 2. تثوير حاضنة حماس بالتجويع.

5. طبعا حماس معذورة إذا هي تنازلت فلم تطالب بإيقاف القتال واكتفت بالهدنة المديدة: ذلك أن الطلب الأول مستحيل لأنه إن حصل يعني اعتراف إسرائيل وأمريكا بالهزيمة. لكن الهدنة الطويلة ستكون نهاية ناتنياهو حتما خاصة إذا مددت حماس عملية تبادل الأسرى على الأقل بنفس مدة الحرب: 6 أشهر ونيف.

6. فلن يستطيع ناتنياهو خلالها المناورة وستبدأ المحاسبة التي ستؤدي إلى نهايته وسقوط حكومته. فإذا حصلت انتخابات سابقة لأوانها وهو المتوقع الراجح فستربح حماس 6 أشهر أخرى ما يعني أن أي حكومة جديدة لن تستطيع استئناف الحرب من دون حل مشكل تجنيد المتدينين ومن دون تمديد مدة الخدمة العسكرية.

7. لكن الوجه الثاني الأهم هو أن المحاسبة لن تقتصر على إسرائيل وحكامها بل هي ستشمل الفلسطينيين وخاصة من خذلوا الطوفان من جماعة أوسلو الذين كان يمكن أن ينضموا للمقاومة بصورة تكون فيها حكومة عباس جزءا لكنها فضلت المحافظة على الانقسام بل وحالفت من يسعون لإسقاط حماس وإضاعة ثمرة الطوفان.

8. وهنا أيضا لي قرينتان أشبه بالدليل القاطع: الأول هو استعمالهم لنفس الحجة التي يؤسس عليها الأنظمة العربية الخذلان بدعوى كونهم ارحم بأهل غزة منهم لكأنه يوجد شعب تحرر من الاستعمار بأقل مما تدفع حماس حاليا : نحن المغاربة أعلم الناس بكلفته: في حرب الجلاء، تونس دفعت آلاف في يوم واحد.

9. ناهيك عن الجزائر. وحتى الضفة فالشعب دفع المئات بعد الطوفان وكان يمكن أن تكون الكلفة أقل لو قاد نظام أوسلوا المقاومة لأن الكلفة حتى لو زادت على ما حصل فإن الثمرة ستكون أكبر لأن وحدة الشعب التي لن تستطيع إسرائيل هزيمتها لأنها عجزت ضد ربع الشعب فكيف لو كان كله في المعركة.

10. لكن إحجام حكومة عباس وطمع المرتزقة الذين يسيطرون على فتح منعوها من أن تبقى ما كانت قائدة للمقاومة وقبلوا بذل أوسلو ومماطلاته التي لم تبق شيئا من الضفة أوهمته إسرائيل وأمريكا أنها ستعطيهم غزة فباتوا مستعدين لكل التنازلات مثل بقية العرب الذين ينسون أن دورهم آت إذا فازت إسرائيل.

11. ومع ذلك فإني متفائل وأملي ألا تفاوض حماس على حل الدولتين بحدود 67 بل أن يكون الحد الأدنى للتنازل هو المفاوضة على حدود التقسيم لان كل ما تحتله إسرائيل بعده فاقد للشرعية القانونية التي أنشأت دولتين رغم ظلمها وفقدانها للشرعية الخلقية.

12. وإذا رفضوا ذلك فلتتشبث بحل متوسط بين الدولة الواحدة ذات القوميتين والكونفدرالية ذات القومتين المنفتحتين بحيث يزول عائق وجود المستوطنين الذين يمكن أن يكونوا تابعين للقطر العربي في فلسطين تبيعة الفلسطينيين للقطر اليهودي في فلسطين وتكون الفدرالية: مليون عربي و700 يهودي بين القطرين.

13. وقد تتطور الكونفدرالية لتصبح فدرالية ويزول المشكل من أصله مع الزمن بحيث إن من سيبقى من يهود فلسطين سيكون بالأساس اليهود ذوي الثقافة العربية قبل نشأة إسرائيل لأن غالب المستوطنين يكذبون فدافعهم ليس دينيا بل هو تجاري: البقية سيغادرون.

14. ذهنية التاجر لا علاقة لها بالعقائد ولا بالحنين حتى لو كان البلد وطنهم فكيف إذا لم يكن وطنهم إلا بالنسبة إلى ما كانوا يعيشون فيه قبل وعد بلفور وسايكس بيكو الذي جعله يتحقق. واقتراحي هذا للحد من كلفة التحرر لنا ولهم: والمهم أن الحد الثاني سيغري التجار فهم أذكياء: إسرائيل انتهت.

15. ذلك أن حماس حققت ثمرتين لن يستطيع خبث الصهيونية وتقية الصفوية إلغاؤهما: الأول هو الهزيمة العسكرية التي حصلت حتى لو تواصلت الحرب سنة أخرى فلن يستطيع الجيش المهزوم استرداد ردعه للفلسطينيين. ودفع الصفوية لرد الفعل فشل في إيقاف الهزيمة الأكبر: إيقاف تغير الرأي العام لم يدم طويلا.

16. المسرحية فشلت في إيقاف انشداد الرأي العام الدولي للقضية الفلسطينية لأن الجميع وخاصة شباب الغرب وفضلاؤه أن المسرحية “بايخة” وهي لم تدم حتى مدة مجراها بمراحلها الثلاثة: 1. الاستفزاز بضرب القنصلية، 2. لفرض الرد المصاب بالتضخم الكاذب، 3. الرد على الرد بنفس المنطق. وبفعل شريكين.

17. فيستحيل أن تضرب إسرائيل قنصلية في قلب دمشق من دون أن تراها روسيا بل ومن دون أن تكون ربما مصدر إعلامها بالصيد الثمين في القنصلية هي أو حتى منافسي أولئك القادة في الحرس الثوري المزعوم الذي لا يقل فسادا واختراقا من جيوش العرب. لكن الأهم هو مستحيل تقدم إسرائيل على ذلك دون إذن أمريكا.

18. الهدف من الاستفزاز بين: فرض ردها -لأنها أعلمتهم من يوم الطوفان الأول أنها لن تتدخل وستكتفي بمناوشات ميليشياتها حتى يكون لها كرسي ومشاركة في نهاية الحرب. حاجة إخراج إسرائيل من مأزقها في غزة كان يقتضي السعي لاسترجاع التعاطف الدولي وإضفاء المصداقية على سردياتها التي محاها الطوفان.

19. وليس بالصدفة أني قلت في تغريدات الأخيرة قبل هذه إني انتظر معجزة خير الماكرين: وهي قد حدثت. لم تدم التلهية عما يجري في غزة أكثر من أسبوع. عاد الزخم لأحداث غزة. والمعجزة حدثت في أمريكا بالذات. واعتقد أن الجميع سيحاول لملمة المشكل لأن حركة الجامعات قد تكون من جنس ارتداد الزلازل.

اترك رد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock