مقالات

الصور القادمة من غزة

عبد السلام الككلي

عذرا يا غزة إذا كنا لا نملك لك غير مرثية أخرى على قبر شهيد آخر
الصور القادمة من غزة عبر الفضائيات والتي تنشر في سلسلة لا تنتهي منذ ما يزيد على الأربعة شهور تبث على الهواء مشاهد الدمار الشامل وصور البشر الفارين من جنوب غزة إلى شمالها ومن شمالها إلى جنوبها تلاحقهم صواريخ الطيارات الآتية من احدث مخابر أمريكا وقذائف المدافع ورصاص القناصين.

الصور القادمة من غزة
الصور القادمة من غزة

الصور القادمة من غزة

أشعر بالغثيان كلما أشاهدها. صرت أحاول تحاشيها ولا استطيع لقسوتها حتى لا تتسلل اليّ رياح الموت البغيض المؤلم إلى حد البكاء القادمة من غزة والتي نكاد نطبع مع هول ما تعيش ومع جراحاها وسط هذا الخراب العربي المعمم.

روائح اللحم الطري الذي أكلته النيران تسد أنفاسنا… مئات من الشهداء تنضاف كل يوم إلى القائمة التي قاربت اليوم 30 ألفا وتتمدد بلا حساب غير حساب عالم فاقد للعقل والضمير والإنسانية.

أسافر بمخيلتي المريضة إلى الخيمة أو بقايا المنزل المليء بأنفاس مرتعشة لعائلة لا تكاد تنام إلا قليلا. الكل يتحسب لجحافل الموت القادمة من أساطير ارض الميعاد المضمخة بأحلام العودة المشؤومة التي تريد أن تستعيد في جنونها مستوطنات غزة لتلقي بالشعب الفلسطيني الى سيناء في شتات جديد ونكبة متكررة. التهبت في لحظة الجريمة المتدثرة بالظلام والحقد نيران آثمة تراقصت لهباتها فوق كسرة الخبز اليابسة وشربة الماء النادرة -جادت بهما إعانات عالم حر يرفض وقف إطلاق النار أو لا يفعل ما يكفي لفرضه في تواطؤ مخز ويطالب إسرائيل بان تقتل اقل ما يمكن من شعب غزة-. شيئا فشيئا يصل الرصاص إلى الأجسام الممددة على حشايا النوم الممزقة التي تشتم منها رائحة الفقر والفاقة .

تستفيق العائلة المنكوبة على الفاجعة تلم أشلاء ما بقي من الشهداء يحمل الأب طفله باحثا له عن متر من الأرض ليواريه التراب في بقعة تزاحمت عليها الجثث حتى غصت بها.

يهرب الفارون من الموت القادم من الكتب المقدسة التي صارت في خدمة المجرمين الحالمين بأرض يهوه من النيل إلى الفرات. يتدافع الضحايا وهم يسيرون من الجحيم إلى الجحيم. تصلهم النيران شرهة متعطشة إلى فرائسها البشرية.

في مكان أخر من رفح التي وصلتها المدافع لم يجد الأب ولا إلام ولا الأخ وقتا لإنقاذ طفل جريح فلسطيني عجلت برحيله سبعون سنة من الاحتلال الغاشم .

جريمة إسرائيل اليوم ليست الأولى ولن تكون الأخيرة لان الصهاينة لا يسمعون من العرب سوى الاستنكار والتنديد بينما يدافع أبطال غزة عن كرامة فلسطين قبل كرامة الأمة العربية هذا إذا بقي لها كرامة.

لن تكبر أيها الشهيد الصغير الذي قضى في غزة لتلتحق بصفوف الأطفال الذين تحولوا الى مقاومين في زمن الاستسلام.

لن تأخذ يدك كراسا تخط عليه اسم فلسطين. لن تتعلم فن رمي الحجارة. لن تمسك بتلك اللحظة الخاصة الفريدة الخلاقة وأنت تخط بيدك المرتعشة الصغيرة على جدران غزة أو القدس أو رام الله أو الجليل اسم بلدك في شكل بندقية أحيانا وفي شكل غصن زيتون أحيانا أخرى.

لن تحاول استعادة بطاقة الهوية الممزقة بين رام الله المتعبة بدبلوماسية الفراغ وشبه المستسلمة وغزة المنكوبة. لن تكبر أيها الشهيد للبحث عن وثائق تضيء ذاكرة فلسطين في كتابها المفتوح منذ عشرات السنين على أزيز الطائرات الأمريكية والدبابات الإسرائيلية المنتصرة دائما على العرب الذين يتلهى بعض ملوكهم على ضفاف الساحل اللازوردي تغلق شطآنه من اجل ملايين البترودولار المدفوعة بسخاء وكرم الملوك القادمين من قرون الجهل والظلام يقترون على شعوبهم في حين يسخون هناك وقد حملوا معهم قطعة من الصحراء المغلقة على أخلاق السادة المخدومين بجيوش من الجواري والعبيد.. من لهيب الحريق سيظل في الصورة بقية جثة متحللة لم تجد طريقها إلى الأرض تعود إليها…

هي آخر شهادة على مرور القدم الهمجية وأيادي الفاتحين على سقوف منازلنا بلغة محمود درويش الخالدة. فليقدموا الى محكمة العدل الدولية التي تمتنع بلباقة عن المطالبة بوقف اطلاق النار وتؤجل قرارها حول الإبادة الجماعية إلى حين تنفذ إسرائيل كل مخططاتها أو الى محكمة الجنايات الدولية الفاسدة التي تميز بدقة بين أوكرانيا وغزة وتلبي بسخاء مطالب حلف الناتو. فليقدموا كل الوثائق لإدانة الجريمة إلى هذه المحكمة أو الأخرى.. لا ندري إذا كانت كل محاكم الدنيا ستغير من الأمر شيئا.

المهم أن يصير كل طفل فلسطيني إذا أخطأته رصاصة الصهاينة مع العمر مقاوما يطلب وطنا موحدا لا تقتله الصراعات السياسية تقطع حول الأخوية بين غزة ورام الله بعد تلاشي وهم الأمن القومي والتضامن العربي. يا أصغر شهيد لم يطلب الشهادة تأكد أن ما بقي منك هو بلا شك أكثر بكثير من جثة متحللة ووريت أو لم توارى التراب…

إنها صورة الطفولة المغتالة على سرير النوم التي ستظل تعتمل في وجدان كل فلسطيني من أجل أن تستمر الذاكرة في الاشتغال حية تقتات من الغضب والشعور بالقهر والضيم. تلك هي وقود المقاومة التي غذيتها أنت الآخر بدمك الذي تفحم في عروقك الفتية.

قاومي أيتها الأرض المغتصبة واستقوي على الحريق والألم بالمقاومة أيا كانت صورها. ذاك شرفك… ذاك هو مصيرك. أما نحن هنا فلا نملك لكم غير الكلمة ولنا من هموم حكامنا ما يمنعنا من أن نكون لكم أكثر من خطيب متعب في جنازة شهيد أخر.

اترك رد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock