مقالات

موازنة بين استراتيجية الفتح وطوفان الأقصى (02)

الفصل الثاني

أبو يعرب المرزوقي

محكمة العدل الدولية

ضميمة ثانية: في هشاشة الأنظمة العربية

لماذا كنت ضد تدخل العرب العسكري قبل أن يتم إسقاط السرديات الإسرائيلية؟ لأن حصوله مع عجزهم عن تحقيق ما عجزت دونه كل الجيوش العربية حتى في عهد لم يكن فيه العرب قد شرعوا في التطبيع كان سيؤدي إلى نكبة أكبر من نكبة 48 لأنهم ليسوا افضل كفاء ولا استعدادا ولا خاصة قربا مما كانت عليه الأمة في مرحلة قريبة من سقوط الخلافة وما بقي من صمود في لحمة الأمة.

هشاشة الأنظمة العربية
هشاشة الأنظمة العربية

لكن بعد حصول النتيجتين على يد حماس أي بعد بيان هشاشة الجيش الإسرائيلي وسقوط سرديات إسرائيل بسبب ما حصل من توحش بالأفعال المؤيدة بنوايا التصفية العرقية في الأقوال من كبار المسؤولين بات تفهم تدخل الجيوش العربية ممكنا ومقبولا لأنه ليس تدخلا من أجل القضاء على إسرائيل كما قد يتهمون بل هو لإنفاذ الفلسطينيين من التصفية العرقية.

التساخر

قد يعجب الكثير من القراء مما سأقوله حول ما أصاب العرب من عجز مطلق ليس لدى حكامهم فحسب بل وكذلك لدى شعوبهم. فالوصف الأتم لحال العرب بكل مكونات التساخر من أدنى مستوياته إلى أسماها: فلا قيام لأي فرد إلا بما يستمده من بقية الجماعة وبدوره في الجماعة حتى لو كان مطلق العطالة.

فالمعلوم أنه حتى العاطلون في الجماعة يسهمون في التساخر على الأقل بالمشاركة في استهلاك شروط الحياة العضوية الخمسة أي استلاك الهواء والماء والغذاء والدواء لحيازة أصل المناعة العضوية للبقاء قيد الحياة في الجماعة.
وهو معنى كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته حتى في ما يتعلق بالاقتصاد والاستهلاك وأهمية الإلحاح القرآني على اعتبار المبذرين من إخوان الشياطين لأنهم يحولون دون هذه الشروط التي تحمي الحياة ومن ثم تحول دون الحروب الأهلية التي تكون في الغالب بسبب عدم العدل في توزيعها.

والفرق بين الشعوب ليس بكون ذلك كذلك بل بكونه مضمون الوعي به وبشروط منع فساد نظام التساخر من خلال فساد شرطيه أي التواصل الصادق وهو شرط التعارف معرفة ومعروفا والتبادل العادل وهو شرط التعاون أخذا وعطاء في التساخرين الروحي وأداته الكلمة المعبرة عما في أقوال المتواصلين والحقيقة بثا وتلقيا والمادي وأداته العملة المعبرة عما في أفعال المتبادلين والحقوق أخذا وعطاء.

وما يسميه ابن خلدون فساد معاني الإنسانية هو ما يلغي تعريف الإنسان بالمعنى القرآني كما استخرجه من التربية والحكم في استراتيجية السياسة النبوية باعتبارها شروط العيش السلمي المشترك بين البشر فعرفه بكونه مستعمرا في الأرض ومستخلفا فيها أي إن التساخر يتعلق بالرعاية الناتجة عن العلاقة بالأرض وتعميرها والحماية الناتجة عن العلاقة بالاستخلاف وحمايته.

فيكون الإنسان حينها قد حافظ على شروط التساخرين أي الوازع الذاتي (أي الضمير الخلقي) قبل الوازع الأجنبي (أي القانون). وعلامة المحافظة عليهما المحافظة على شروط التعمير للرعاية وشروط الاستخلاف للحماية:
فيكون الإنسان “ذا بأس” قادرا على حماية نفسه وأهله وحقوقه وأن يؤدي واجباته في التحامي المشترك في الجماعة فلا يكون تابعا لغير ربه في سلوكه المعبر عن إرادته الحرة وحكمته الراجحة أي التي تمكنه من الخيار الأقل كلفة والأكثر فائدة ماديا وخلقيا.

ويكون الإنسان حينها “رئيسا بالطبع بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له” (المقدمة الباب الثاني الفصل 24) إذا كانت تربيته قد كونت الوزع الذاتي وحكمه معتمدا على قوة القانون لا قانون القوة أي غير عنيفين. فحينها تكون معاني الإنسانية فيه محققة لشرط المشاركة في الرعاية لئلا يكون في ذلك عالة على غيره في تحقيق شروط بقائه عضويا الذي لا يدين به لغير دوره في التساخر التبادلي فلا يكون عبدا لغير الله وليس لمن يتمكن من السيطرة على رزقه بدلا من ربه.

وبفقدانه الشرط الأول يفقد ذروة معنى الإنسانية أي الرئاسة بالطبع بمقتضى الاستخلاف فيشارك في شروط الحماية التي تقتضي التواصل التعارفي في الجماعة بحيث يقل التخادع والتنافق وهو معنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فلا يكون محميا من غيره لعجزة عن حماية ذاته بل يكون التحامي بين الجميع واجب كل فرد في الجماعة للمحافظة على شروط الرئاسة التي عرف بها الإنسان وهي علاقة مختلفة عما يبدو شبيها بها في الفكر الغربي لكنها مختلفة عنها تماما لأن علاقة السيد بالعبد تجعل الثاني خاضعا للأول وهي ناتجة عن فساد معاني الإنسانية فيهما كليهما أي إنها علاقة مستعبد وعبد.

أما الرئاسة في علاقة بين متحدين في الطبيعة ومتساويين في المنزلة من حيث الحقوق والواجبات ولا يختلفان إلا بتقاسم العمل في التساخر الناتج عن الشروط والمشروط في الوظائف التساخرية.

وإذا صارت هذه العلاقة من جنس علاقة العبد بالسيد فهي تصبح معتمد على وهم اختلاف الطبيعة بين البشر وما كان تقاسما للعمل يصبح تراتبا في المنزلة الإنسانية. ومنها يكون العبد شبه ميت روحيا فـ”الرئيس إذا غلب على رئاسته وكبح عن غاية عزه تكاسل حتى عن شبع بطنه وري كبده وهذا موجود في أخلاق الإنساني. ولقد يقال مثله في الحيوانات المفتوإت المفترسة وأنها لا تسافد إذا كانت في ملكة الآدميين”.

وذلك هو الفرق بين وضعية الشعوب التي تدرك معنى حرية الإرادة وما تقضيه من أمر بالمعروف ونهي عن المنكر بدافع ذاتي ومعنى رجاحة الحكمة وما تقتضيه من عدم الغفلة عن الوعي بأن مقاييس المعروف والمنكر لا يخلو منها وعي إنساني إذا كان سويا: وهو قياس حقوق الغير على حقوق الذات وواجباته على واجباتها.

فكل فرد له دور في التساخر وكل الأعمال الضرورية لحياة الجماعة يكون للجميع فيها مسؤولية في تقاسم وظائف الرعاية والحماية أي إنه لا يمكن أن يكون لأي إنسان بقاء من دون دور في التساخر مهما يبدو ضئيلا في حصيلة الفاعلية الجماعية.

هشاشة الأنظمة العربية

والسر كله يعود إلى تخل مطلق عن علاقة الإنسان بالأحياز التي تصبح جارية من دون دوره في ما يستمد منها. وتلك هي علاقة العرب بالأحياز التي ورثوها دون أن يكون لهم فيها دور صانعيها والمحافظين عليها:

فلا سلطان لهم على جغرافيتهم: لأنها مفتتة ولا يمكن للفتات أن يحقق شروط الدفاع عنها.
ولا سلطان لهم على تاريخهم لأن كل فتات يسعى لإضفاء الشرعية التاريخية على بقاء الفتات.
ولا سلطان لهم على ثروتهم لأنها تحت سلطان الحامي وثمرتها في بنوكه ويستطيع تجميدها.
ولا سلطان لهم على تراثهم لأن تشويهه من الحامي يصبح إيديولوجيا تقليد المغلوب للغالب.
ولا سلطان لهم على مرجعيتهم الروحية أي معتقداتهم وسلم قيمهم: لأن ما سبق يؤدي إلى اعتبارها هي علة تخلفهم لكونها تبدو العلة الحائلة دون التقليد المطلق والذوبان في مرجعيات الحامي للأنظمة العميلة.

فيتبين من ثم أن المؤثر الذي ينتج الضعف المتعين في عدم السيطرات المذكورة هو:

  • تفتيت الجغرافيا
  • تشتيت التاريخ
  • عدم إبداع الثروة
  • عدم إبداع التراث
  • تحول المرجعية إلى شكلياتها وليس إلى حقيقتها: إسلام العبادات باعتبارها عادات تتجلى في ظاهر الطقوسيات وليس باعتبارها فاعليات تتجلى في حقائق المعاملات.

إلى طبيعة الثروة التي ما تزال مستمدة مما تنتجه الطبيعة وطبيعة التراث التي صارت مستمدة من الاعتماد على من يستخرج هذه الثروة ويستثمر عائدها عنده.

فتكون علل الهشاشة الخمس التالية التي تعاني منها الأنظمة العربية وتحولها إلى توابع لحماة لأصحابها وسطاء بينهم وبين شعوبهم فتكون وظيفتهم هي إخضاع شعوبهم إليهم:

  1. المجتمع السياسي: مافية الفساد والاستبداد المسيطرة على شوكة الدولة والحماية.
  2. المجتمع المدني النقابي والحقوقي: مافية الاستبداد والفساد التي تقاسمها السيطرة على شوكة الجماعة والرعاية.
  3. المجتمع الفكري العام والأكاديمي: المافية الخادمة للاستبدادين.
  4. المجتمع الثقافي الإبداع الذوقي والرياضي: المافية المسيطرة على ترجمتها في الذائقة العامة.
  5. الجماعة ككل التي تتحول إلى رعاع بعد فساد المجتمع الأهلي المؤلف من الأسرة والمدرسة والمعبد والمعمل والجماعة: أخلاق العبيد.

موازنة بين استراتيجية الفتح وطوفان الأقصى

موازنة بين استراتيجية الفتح وطوفان الأقصى (03)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock