مقالات

دماء على وجه العالم

ليلى حاج عمر 

لم يكن هذا العالم الحديث يوما بريئا، لقد كانت الدّماء دوما تغطّي يديه، والإبادة التي نشاهدها اليوم على المباشر بقلوب مكسورة حلقة من سلسلة جرائم ارتكبها أرباب النّظام العالمي بكلّ الدم البارد.

يكفي أن نذكر ما حدث في التشيلي وفي كمبوديا زمن هنري كيسنجر من إحراق وقتل مئات الآلاف وتشويه المدنيين (ما بين 100 و 150 ألف قتيل بسبب القرار الأمريكي) حتّى ندرك أنّ هذا العالم الذي يجيد إخفاء يديه الملوّثتين وراء ادّعاءات الإنسانيّة لا يفعل شيئا سوى مراكمة جرائمه وتطوير وسائل مواجهته للشّعوب بكلّ ما تنتجه التّكنولوجيا الأمريكيّة والغربيّة الحاقدة من أدوات القتل.

النظام العالمي الجديد
النظام العالمي الجديد

هكذا يتحوّل هذا العالم “الحرّ” في لحظة إلى مصنع ضخم للقتل المفتوح بما يضخّه من إمدادات عسكريّة يوميّة هدفها تدمير مدينة وإفراغها من الحياة. إنّه “التّيه” الغربيّ الذي يجعله عاجزا عن العودة إلى منابعه الفكريّة والفلسفيّة حيث الحريّة هي الأصل ليصبح في قبضة أنظمته اللّاإنسانيّة التي تطلّ على العالم من قلعتها حذرة من كلّ حركة تحرّر قد تفضي إلى اختراقها أو إيجاد ثقب في جدار النّظام العالمي. هذا التّيه يوغل فيه حتّى بعض مفكّري الغرب وفلاسفته أمام قوّة البروباغندا التي تحوّل الجميع إلى كائنات بلا عقل، أو بعقل حذر مفرط في عقلانيّته الباردة إلى حدّ عدم الإحساس بالدّم السّاخن الذي يغطّي قميص العالم، ولا بالنّار الحارقة التي تحوّله إلى جحيم. ويفقد العالم كلّ بوصلة للعودة لولا الشّعوب ضمير العالم الذي لا يموت لأنّه الضّمير المتحرّر من البراغماتيّة الدمويّة ومن عجرفة الادّعاء.

إنّها “تغريبة” الغرب أيضا. حيث “الرّحيل” عن مفاهيمه العالميّة والابتعاد عن أعمدة الأرض الفلسفيّة التي قام عليها، ومغادرة “القيم الكونيّة” نحو صحراء معرفيّة وإنسانيّة مفزعة. بمساندة إسرائيل يدافع الغرب عن قلاعه حتّى لا تسقط وهو يعلم أنّها انقلبت إلى قلاع خاوية من كلّ مضمون إنسانيّ حقيقيّ وأنّ ركام الجثث وسيل الدّم في الأصقاع لن يجعله في مأمن من مصير مرعب. وقد يعود قليلا ليذكّر بأنّ على إسرائيل ألّا تستهدف المدنيين. دعوة خجولة مزيّفة لا غاية لها سوى الإيغال في القتل “الإنسانيّ” المريح لأصحاب الأرض ودفعهم إلى خيارين كلاهما جحيم: المغادرة أو الموت.

وسيرى الغرب وجهه في المرآة ملوّثا بالدّماء، وقد يهنأ بالنّوم “فما أسهل أن تكون قويّا في هذه الدّنيا” كما يقول تشيخوف في أقصوصته “المغفّلة”. إنّها سهولة القهر حين يغفل العالم عن الحقيقة ويؤثر الصّمت. حين تصبح الإبادة الحلّ الجذريّ لديمومة العالم “الحرّ” في توحّشه. حين تكون الغفلة صفة الشّعوب مسلوبة الإرادة والمصير.

إنّه تيهنا أيضا هنا، ورحيلنا المستمرّ في الغفلة و اللّافعل إلى حدّ أنّنا نكتفي بالتلقّي ثمّ الاعتياد ثمّ النّسيان (كبطلة تشيخوف يوليا فاسيليفيا). لا شيء يغيّر “موتنا” المجازيّ حتّى إبادة البشر، وهو الفعل الأكثر رعبا فلا شيء بعده. لا مشروع لنا يفتح أفقا جديدا لمستقبلنا. لقد أجدنا القضاء على كلّ المشاريع الممكنة لنكون.

لا شيء يغيّر هذا العالم. الضوء الوحيد ينبع من هناك. من تلك المدينة حيث قرابة 7 آلاف جثّة تحت الرّكام، وحيث أرواح آلاف الأطفال تحوم فوق الحجارة. ربّما ستكسب المدينة بالموت قداستها، تماما كما اكتسبت مدنٌ قداستها منذ رفع  المسيح إلى ثورة محمّد، وما قبل ذلك. وستكسب أيضا انتصاراتها المصلوبة على أعمدة النّظام العالمي اللّاإنساني، حيث ستذكّر العالم دوما بحقيقته، وبقدرته على تشويه الوجود وقلب الحقائق. ستقول له: مزيّف أنت أيّها العالم، وكاذب. مزيّف وعليك أن تنظر إلى وجهك في المرآة لترى الدّماء عليه، وعليك أن تعود من تيهك الطّويل في عصورك المظلمة الحديثة.

أترى المقاومة تنجح في إحداث ثقب في الجدار وفي دفع العالم “الحرّ” إلى العودة إلى منابعه، وفي دفعنا إلى الخروج من التّيه بتحرير العقل من الزّيف والأوهام، وبالتزام التّفكير النّقديّ سلاحا آخر. قد يكون. إنّه أمر رهين ديمومتها وثباتها، ذلك الثّبات الذي يميّز المدن الأسطوريّة في مقاومتها، يكفي أن نذكر مدينة سانت بطرسبرغ الروسيّة (لينينغراد سابقا) وفكّها للحصار الذي فرضتها عليها النّازيّة خلال الحرب العالميّة الثّانية، واضطرار الناس إلى أكل الحشيش والفئران دون أن يستسلموا رغم مقتل قرابة المليون من البشر، حتّى ندرك أنّ الوصول إلى الهدف ثمنه دفع ما يفوق قدرة البشر على الاحتمال، مادام العالم بلا قلب ولا عينين.

الثمن دوما يفوق طاقة الاحتمال البشريّ، لذلك يصبح فعل الخلاص فعلا معمّدا بكلّ الآلام البشريّة التي لا تطاق، وبكلّ الدّماء التي تراق.

اترك رد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock