تدوينات تونسية

دماء في حذاء

لا شاهِدَ على غائب أعْدَلُ من طَرْفٍ على قلب

نور الدين الغيلوفي

– هل أنت حزين؟
لا أدري،
لم أعد أجد معنى لشيء،
الحزن معنى، ولا معنى قد بقيَ لمعنى..
إذا زال الفرق بين المفرد والجمع
وبين البعد والقرب
وبين الوفرة والندرة
كفّت اللغة عن أن تحمل المعنى.
فلا سطح ولا عمق
ولا قُربى ولا بُعدى
ولا أكثر ولا أقلّ..
الظلام حالك، فلا بيان لأبيض من أسود،

  • هل تبكي؟
    لم أعد أبكي،
    البكاء انفعال يترجم مزاجا يُسلم أمره للعيون تعبُره بالدمع، وينحدر أحيانا إلى النشيج يهتزّ به البدن، وأنا ما عدت قادرا على انفعال يهزّ منّي البدن..
    انهار النشيج
    وارتبك الجَنان،
    القلب غاصَ منّي بعيدا ولم أعد أجد إليه الطريق،
    وضاق الكيان بما فيه
    وطُمست العيون فكفّ دمعُها عن الجفون إلّا أن تعوّضَها من دمها.. والدمّ توقّف، مصدومًا، في العروق.
    فلا شيء قد يأتي بما قيل
    أو يشفي اعتلالا أصاب الروح بنزفٍ.
أطفال غزة

كلّ الانفعال لا يجدي لأنّ يد الفعل مغلولة إلى عنقه، والعنق مقطوعة لا تشدّ إليها يدًا ولا تردّها.
كلّ الدمع البشريّ المسفوح لا يساوي حذاء طفل من غزّة بقي منه يضرّجه دمه.. شاهدا على أنّ هذا الإنسان أقبح من أن تليق به نفخةُ الله فيه.
قُصفت القدمان وبقي الحذاء عالقا في دم صاحبه الفتي يستبقيه لونًا له
بعد أن ضاع في غارة الأعداءِ لونُه.
أبقى الحذاءُ على الدمِ بقيّةِ صاحبِه يختزن به هويته قصفتها الطائرات قبل أن تعرف شكلها.
ضاعت كلّ الهويّات وبقي الدم رسمًا شاهدا على ما لا يعود.
أرى رشاش دم الفتى المقصوف على كلّ وجهٍ بشريّ
فكلّ مرايانا دماء.
سال الدم فكان الحذاء وعاء..
هذا هو الحذاء الثاني،
وقد كان منذورا للدماء
يذكر الحذاء ما تسرّب إليه من فرح الصبيّ وجده من قدميه اللطيفتين ساعة وضعه فيهما فوافقهما بعد حذاء أوّل كان منهما أوسعَ أعاده الأب إلى بائعه ليناسب طفلًا غزّاويّا آخر يَعِيَ دمَه الموعودَ بالسفك من دولة الإفك.
بدأ الفتى يرتّب فرحته بحذائه لمّا قصفته الطائرة.. لم تمهله لتجريب الفرح ولا هي بدأت بقصف الحذاء ليجرّب حزنه الصغيرَ عليه..
ذهب الفتى وترك خلفه كتلة الأحزان والأفراح يحرسها الحذاء غارقا في الدماء.
ذاك من قدَر الحذاء
استدعته الموافقة ليشهد موت الفتى ويرثَ دمَهُ.. كأنّه من دمه.
مرّت القدمان الصغيرتان بحذاء أوّل لم يواتِهما،
كان أوسع من فرح الصبيّ..
استبدل به الأب هذا الحذاء..
جاء الحذاء مناسبا..
فرح الفتى.. وجد المقاس..
وما كان غير مقاس للدماء
تأوي إليه حين تنزل صواعق الأعداء..
لجأت الدماء إلى الحذاء وقد صعد الفتى…
– أصخرة أنت؟
ما أطيب العيش لو شابهَ الحجرَ الفتى، سبقني القديم إليها.. كما سُبقتُ إلى كلّ شيء،
ولكنّني لا أملك أن أكون حجرا يستطيب عيشًا.
أنا مقهور لأنّ الأغلال فيّ وَحَوْلي تمنعني..
ولا أدغال تحجبني فأفرّ إليها كما فعل صاحبٌ لي قديم.
أرى ملائكة تمزّقها ذئاب في غفلة من أرضٍ ودهشةِ من سماء..
هل أنفلتُ من جسدي لألحق بصغار تلك الملائكة وقد عجزتُ عن ردّ الموت عنهم؟
كنت أظنّ أنّ الإنسان ترك توحّشه ولبس ثياب زينته لا يخلعها بعد أن أصابه شعاع تنوير لا ظلام بعدَه،
ونمتُ قرير العين من فرط الاطمئنان، اطمئنان محروس تنويرٍ.
ولكنّني أدرك الآن أنّ كلّ الأمر وهم وأصباغ..
وضياع في متاهة من صنع ضباع
سرعان ما سالت عليها أضواء الليل فساحت.. امّحت كما لم يأتِ من المدينة نور يستدلّ به التائهون على القِبلة
والقبيلة.
قلت قبيلة؟
يا لهذه القبيلة التائهة !
نحن أمّة لا تليق بالحزن الجليل.
كلّ الأمم رتّبت لها في ساحة الاحترام مجلسا يليق بها تحرس منه صبيانها يمرحون في أحذية جديدة، وبقينا نحن مثل دابّة في قرية ملعونة أصابها لتوّها عمًى فساخت قوائمها في دماء ملائكة لها جاءتها بهم الحياة فغدر بهم أهلُها وخانوا الحياة.
ولبسوا وميض شيطان أصاب العالم بالعشى
فهل من لعنة باقية ندعو بنزولها لَنزول؟

اترك رد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock