مقالات

سؤال الحرية في كتابات الشيخ راشد الغنوشي والدكتور منصف المرزوقي (1)

مسألة الحرية في الفكر العربي المعاصر

شاكر الحوكي

تضامنا مع راشد الغنوشي الذي دخل في إضراب جوع بعد 6 أشهر من اعتقاله الظالم، وتضامنا مع الرئيس محمد منصف المرزوقي الذي فرض عليه المنفى منذ أكثر من عام …
نشرع منذ اليوم في نشر مقالنا الذي تم نشره في 2014 ضمن مؤلف جماعي عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات حول “مسألة الحرية في الفكر العربي المعاصر“.
المقال يحمل عنوان «سؤال الحرية في كتابات الشيخ والدكتور : راشد الغنوشي والمنصف المرزوقي» وسيقع نشره في شكل فقرات متتابعة ومن دون ذكر المراجع.
وفي ما يلي الفقرة الأولى

••

1. المقدمة

يبدو سؤال الفكر العربي المعاصر، في ما يتعلق بمبحث الحرية أساسا، مثقلا بالتباسات الماضي البعيد وأجوبة الحاضر الملحة، فبين محمد الشرفي وكتابه “الحرية والحداثة: الالتباس التاريخي” ومحمد الطالبي وكتابه “عقيدتي الحرية”، احتفت الساحة التونسية والعربية في العقدين الآخرين بأكثر من كتاب عن الحرية. وهو احتفاء يأتي بعد قرون من القحط والجفاف. فمفهوم الحرية أو السؤال عنه (وهو سؤال قبل أن يكون جوابا) غاب أو غيّب في ثقافتنا العربية والإسلامية. وكان لابد من انتظار عصر النهضة للعثور على الملامح الأولى لما يمكن وصفه بإرهاصات مفهوم الحرية. وعلى الرغم من مجهود بعض المفكرين في قراءة التراث العربي الإسلامي بطريقة تسمح لنا بالعثور على فضاءات الحرية على نحو أو آخر (عبد الله العروي أو محمد عمارة مثلا)، بقيت الثقافة العربية تشكو فراغا حقيقيا فيما يتعلق بالحرية السياسية بوصفها نقيض الاستبداد والطغيان، وما يتفرع عنها من حرية التعبير والمشاركة في الشأن العام.

راشد الغنوشي
راشد الغنوشي

الحرية إذا مبحث حديث أو محدث بامتياز، ظهر على إثر اصطدام الثقافة العربية بالثقافة الغربية عقب الرحلات الاستطلاعية التي قام بها مفكرون عرب إلى بلاد الغرب. ومنذ ذلك الوقت، ما انفك سؤال الحرية يطرح بإلحاح، خصوصا بعد اندلاع الثورات العربية التي أيقظت مجددا سؤال الحرية، فازدادت التصورات بشأنها وتعددت، وهي تصورات يمكن أن نعثر على تلخيصها المكثف في كتابات كل من الدكتور المنصف المرزوقي والشيخ راشد الغنوشي.

منصف المرزوقي
منصف المرزوقي

أما أسباب اختيارنا دراسة مسألة الحرية في فكر كل من الشيخ والدكتور تحديدا، فهي عديدة:

أولا: إن وضع كل من فكر المنصف المرزوقي وراشد الغنوشي موضع الدراسة هو أن نضع تحت المجهر آخر ما انتهت إليه أطروحات الإسلاميين (وحركة الإخوان أساسا) وآخر ما استقرت عليه أطروحات العلمانيين (بمعزل عن توجهاتهم السياسية)، بعد ان اختبرا الحكم وتشاركا فيه؛ فهل يمكن أن يشكل ذلك منطلقا لإرساء علاقة جديدة بين العلمانيين والإسلاميين في الوطن العربي أساسها المواطنة والحرية؟ نعتقد أن السؤال جدير بالطرح.

ثانيا: التصور الساذج الذي يؤثث خلفية البعض من أن الرجلين ينطلقان من نفس الأرضية ويتبنيان نفس الموقف، بل إن الاتهامات ذهبت إلى حد القول بتبعية أحدهما إلى الآخر واعتباره مجرد أداة في خدمة مشروعه القادم من أعماق عصور الظلام والغارق في القرون الوسطى، والحال أن لكل واحد منهما مشروعه الخاص. فالغنوشي يحمل على عاتقه مشروع الإخوان المسلمين والموروث الإسلامي بكل ما يحمله ذلك من أعباء المراجعة والتجديد والمرزوقي تدفعه عقود من الفكر الحر والتنوير العقلي (الكواكبي وفرح أنطون) المدفوع بدوره بالحاجة إلى ترسيخ حقوق الإنسان والبحث عن الإطار المناسب للعيش المشترك. فهل تعدّ الحرية قاسما مشتركا بينهما؟

ثالثا: الإنتاج الفكري الغزير لكل منهما: فللرجلين مؤلفات عديدة في علاقة بسؤال الحرية وهي مؤلفات استطاعت أن تتجاوز المحلي وتنتشر خارج الحدود. فالشيخ ترجمت كتبه إلى أكثر من لغة، وأصبح علامة عصره في أكثر من بلد عربي وإسلامي، وليست تركيا إلا مجرد مثال على ذلك، والمرزوقي عدّ من أكثر الشخصيات المؤثرة في سنة 2013 من قبل مجلة “التايم” الأمريكية، وبات فارس الثورة التونسية الذي يصدح بصوت الحرية في كل مكان، فضلا عن انتشار كتبه باللغتين الفرنسية والعربية؛ فكيف يرى كل منهما مسألة الحرية ؟

رابعا: انخراط الرجلين في الشأن العام بعيدا عن تأملات المثقف العربي المألوف الذي يكتب من وراء الحجب بوصفه مشيرا ناصحا أو فقيها مرشدا؛ إنها المسافات القديمة قد انهارت بفعل تداخل وظيفتي السياسي والمثقف في نفس الشخص والأهم تعلق الرجلين بالحرية؛ فالمرزوقي المتشبع بثقافة اليسار المناضل يترك يساريته على شماله متقدما الخطى إلى الإسلامي، محتفظا من كل أدبيات اليسار بالعدالة الاجتماعية. والغنوشي القادم من أعماق الأصولية الإسلامية يترك سلفيته عن يمينه، ملتقطا من ركام التراث الفقهي نظرية المقاصد، محاولا ربط جسور التواصل مع العلماني؛ متحررا من أعباء الإسلام السياسي الذي انتهت به تنظيرات سيد قطب إلى مأزق الدولة الدينية. فهل هي إذا لحظة فرح أنطون ومحمد عبده تريد أن تطل علينا مجددا، وقد تحررا من شبهات الماضي (الدفاع عن الأقليات بالنسبة للأول والدعوة إلى الحاكمية بالنسبة للثاني)؟ أم أنها لحظة ابن رشد والغزالي تلاحقنا لحسم المسائل الأكثر إلحاحا: إما العقل وإما الشريعة ؟

يتبع..

اترك رد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock