مقالات

…الباقي تفاصيل

كمال الشارني 

هذه الحكاية وقعت في دولة عربية لكنها ليست تونس (أي انطباق هو من باب الصدفة لتفادي المرسوم 54)، وتاريخها يعود إلى أكثر من خمس سنوات بما يجعلها غير قابلة للتتبع أو التقاضي بمرور الزمن:

قالك طبيب أستاذ جامعي في اختصاص مرض نسائي شائع، عاد من أوروبا إلى بلده لسببين: الأول هو شيخوخة أمه وأبيه والثاني نفع أهله وأبناء بلده بعلمه، استدعته منظمة حكومية تحت رعاية زوجة الرئيس، سيدنا الطبيب ابن ثقافة أخرى مستعد لتحمل النقل العمومي بكل مآسيه بدل استعمال السيارة فاستعمل القطار، في محطة الوصول واجهه “فيش وتشبيه” على رأي أخوتنا المصريين أو الرافل في تونس، غلبته ثقافة الخارج فسأل أعوان الشرطة عن سبب اعتراضه وتعطيله: “أنا رجل محترم لم أقترف أي جرم”، النتيجة: أنت قبيح ووقح ونحن نملك حق اعتراضك وإيقافك في أية لحظة ودون بيان السبب، أكل كفين وركلة وصعد إلى الباقة أو البوكس، إن تبين أنك لم تفعل شيئا سوف نطلق سراحك (كلها نفس الصورة في العالم العربي)، أخذوه منذ الصباح الباكر وعند منتصف النهار نقلته سيارة البوليسية إلى المركز مع غيره ممن لم يقترفوا شيئا لكنهم لم يثبتوا للبوليسية أنهم فعلا لم يقترفوا شيئا، بقي هناك حتى المساء وضاعت عليه المحاضرة التي كان سيلقيها صباحا والأخرى المفتوحة للنقاش بعد الزوال دون أي غذاء ولو كاس ماء، البوليسية حجزوا هاتفه طبعا ولم يهتموا بأي أحد يطلبه حتى إن كان السيد الرئيس أو الملك نفسه، المهم: عند الثامنة مساء، ذهب أعوان شرطة النهار وجاء آخرون لا علم لهم بالموضوع سوى إيقاف الرجل من أجل الوقاحة، “يبيت هنا من حيث المبدأ وسيرى الزملاء غدا”، في الليل فكر في المحاضرات والدروس وليالي السهر للمراجعة والتجارب العلمية والمؤتمرات والنقاشات والجوائز والعمل، عدة سنوات من العمل قبل أن يعود إلى الوطن من أجل أمه وأبيه الذين باعا كل ما يملكان قبل أن يصبح طبيبا جامعيا باحثا وأن يرد لهما القليل مما بذلا لأجله، إنما بلغا من العمر مرحلة لم يعد من الممكن تعويضهما بأي شيء بعد الحج، لم تعد الفلوس تعني لهما شيئا، فقط حضوره بينهما كل نهاية أسبوع هو الشيء الوحيد المهم.

في الأثناء، طلبه زملاؤه ومنظمو التظاهرة حتى ملوا واعتقدوا أنه فقد هاتفه وجدول مواعيده الصعب وأنه، في أسوأ الحالات، قرر أن لا يأتي، وفي الليل تحول ذلك إلى انشغال لأن زوجته قالت إنها فقدت الاتصال به وأصبحت تخشى على حياته، والناس أكلت بعضها، صحيح أن الإيقافات العشوائية تتم كل يوم، لكن لا أحد يملك مبررا لإيقافه ولا أحد يتوقع أن يكون ضحية “وقاحة أو نقاش حاد مع الشرطة”، هو أصلا أعلى من ذلك بكثير وليس هناك مبرر لوقوعه في مثل هذا الشيء،

في الغد، تم إطلاق سراح وتسليمه أشياءه ومنها هاتفه، لم يكلم أحدا، فقط عاد من حيث أتى بالقطار، صامتا ومنهزما حتى أنه تخلى عن مقعده الذي اشتراه بأغلى ما توفره شركة النقل إلى أول شخص استولى عليه بالقوة، عند السادسة مساء وصل إلى بيته وأول شيء فعله هو تفقد جواز سفره الأجنبي والحقوق الكونية التي تتيحها له، لكنه لم يفكر في الرحيل أبدا، فكر في أمه وأبيه العجوزين، ماذا بقي من عمرهما في هذا الكون؟ جلس في مكتبه الخاص في الظلام، فتح الهاتف، اتصل بآخر شخص طلبه: “أنا آسف جدا عن غيابي اليوم”، قال الرجل مستغربا: “هل حقا تم إيقافك في السجن، الجميع يتحدث عن ذلك هنا؟”، أجاب بمرارة: “لا، لم يكن سجنا، كان مجرد تثبت في الهوية، حاجة عادية”، قال الرجل: “أنا لا أفهمك، إن كان تم إيقافك حقا فنحن مستعدون لكل إجراءات العقاب ضد من فعل ذلك”، قال بوثوق: “لا، لقد كانوا على حق، كنت وقحا، وأيا كانت الحال، فمن حقهم أن يوقفوني متى يشاؤون، ذلك كان أكثر أهمية من أية محاضرة علمية”، قال الرجل: “أنا لا أصدق ما أسمع”، عندها استرخى في مقعده الوثير الذي جلبه من مكتبه في دولة الهجرة، قال متثائبا: “أمي مريضة أيها الصديق، لقد باعت قرطيها وأسورتها لكي أصبح طبيبا، الباقي تفاصيل”،

“لكن كنا نعول عليك في هذه الحملة من أجل عشرات الآلاف من النسوة الفقيرات المحرومات من العلاج”،
ازداد غرقا في كرسيه الذي لا يليق بالوضع: “يجب أن تبحث عن طبيب آخر، لا يمكن أن تخوض مثل هذه المعارك بأناس موقوفين حتى يثبتوا أنهم لم يفعلوا شيئا حقا، لا شيء يستحق العراك اليوم غير أمي وأبي”،

اترك رد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock