نور الدين الغيلوفي
قلت: أكتبك، إذن !
فضحك، وقال:
– اكتبني، فلا ضير عندي.
أفقت من جلطتي الأولى أردّد:
– الحمد لله.
وأفقت على زوجتي تسألني:
– عمّ تحمد الله؟
– لا أدري
وفعلا، لم أكن أدري سياقَ ما كنت فيه أقول الحمد لله.
كنت شتاتا لا أجتمع وبذلت جهودا جبّارة في جمع الشتات الذي كنته، ولا أزال.. فأنا، إلى حدّ الآن، بعد سنين من جلطاتي الثلاث المتتاليات، كمن يرمّم بنيانا كلّما ظنّ بلوغ النهاية فيه نأى عنه وكشف عن اتّصال التداعي الذي فيه..
ألم تر كيف أنّني أتداعى بين يديك الآن لأخبرك بما شهدتُه ممّا لم يكن يجتمع لي ولا أعبر إليه.. ولا أعبّر عنه؟ ألم ترَ كيف انّني الخبر والمُخبِر معا؟
الحمد لله
أنا، الآن، أخبرك بذات ثالثة عن ذاتين سابقتين لي..
أحدّثك الآن، وقد جمعت ما أمكنني من شتاتي وعزمي..
مررتُ بجلطات ثلاث، كنت فيها كمن يتلقّى صدماتٍ كهربائيةً ليفيق من غيبة ما.. هل كنت أحمد الله على الجلطة؟
لا أدري..
نحن نحمد الله على كلّ حال، والمرض من بعض أحوالنا التي نحمد الله عليها.. وهل نملك ألّا نحمدَه؟
ولست، إلى الآن، أدري ما كنتُ أحمد الله عليه عندما أفقت من غيبتي من جلطتي الأولى على سرير بحجرة طبيّة داخل مصحّة.
لم أكن أصلّي فصرت أصلّي، وكلّما سمعت ذكر الله أبكي.. تنهلّ منّي الدموع لا أملك مسكَها، حتّى يهرع إليّ مَن حولي:
- لا باس؟
فهل ترى لقيتُني من ضياع؟
لا أدري، صدقا لست أدري لماذا أفقت أحمد الله.
أدخل يده إلى جيبه، وكنّا واقفَين، فسحب علبة السجائر، عالجها ليخرج منها سيجارة، سوّاها بين إصبعيه ودسّها بين شفتيه وحرّكهما لاستقبالها.. أخرج من العلبة ولّاعة وأدناها من ذَنب السيجارة ليشعلها حين سألته:
- ألن تكفّ عن هذا الدخان؟
أتعرف؟ قال قبل أن تبلغ النار ذنَبَ سيجارته، ليس الدخان هو المسؤول عن جلطاتي.. أتعرف؟ كأنّ الجلطات كانت هدايا من الله يردّني بها إليه ويردّني بقوّته إلى ضعفي.. أناجيه وجها لوجه بلا حواجز وأطلّ عليه من عند سجودي له.. هكذا فهمت جلطاتي، نعم هي جلطاتي أنسبها نسبةً إليّ لأنّها من عند الله.. أنا الآن منه قريب جدًّا أشعر بمعيّته يرافقني ويشدّ على يدي أدبّر بها مقود السيارة ويرتّب حركة قدميّ عند دوّاساتها.. ويرزقني الأفكار أكتبها.. أنا، الآن، أخطّ رواية كبرى قرأتُ لأجلها كثيرا، هي مخطوطة في رأسي بتيمتها النادرة.. أرى تفاصيل أحداثها وسمتاتِ شخصياتها ومنعرجات سردها.
أتُصدّق؟ كانت مرآتي مشروخة مشوبةً، وبعد المرض صَفَت لا تشوبها شائبة، فأنا أراهُ، اللهَ، في وجهي كلّما أبصرتُني ذكرته فحمدته.. القصّة عجيبة قد لا أستطيع وصفها، وقد لا تميل إلى تصديقها. ولكنّني، والله، سعيد بعد أن لقيتُني من ضياع.. كنت في متاهة العقل أسوّي فهمي وأضعت روحي ولم يستوِ لي العقل.. أنا الآن أصفو مثل المرآة.. ويصفو لي الفهم كما لم يكن.
أفقت فألفيت نصفي الأيمن ليس لي.. هو نصف هامد بالجوار، لا سلطان لي عليه. أرقب نصفي الأيسر أحرّك يدي فتتحرّك، أقرص بها جنبي فأشعر بلذع القرص.. وألتذّ باللذع الذي أجد.. أحرّك رجلي فتتحرّك.. أريد أن أمشي فلا أنتصب واقفا.. الوقوف يحتاج إلى رجلين اثنتين.. أرمق بعيني اليسرى جنبي الأيمن فلا أرى فيه جنبي إذ لا سلطان لي عليه.. هو نصف بالجوار، وبين النصفين مسافة.. مسافة ما بين الشعور وعدمه.
عندما أفقت من جلطتي الثانية لم أجدني إذ لم أكن أعي ما حولي، وهل الوجود شيء سوى وعيك بك وبالأشياء من حولك ووصفك ما تعي؟
شعرت بالعطش ولم أجد كلمة “عطش” لأطلب بها الماء.. ألسنا نطلب حاجاتنا باللغة؟
كنت أبذل جهدا لأعبر إلى من كانوا معي لألبّيَ لي حاجة.. مع العطش كنت أحتاج إلى الكلام أطلب به حاجتي، ولكنّني لا أجد الكلام.. لعلّ من حسن حظّي أنّني لم أوجد بمكان ليس فيه إناء ماء.. كنت أجاهد لأتناول الإناء فينتبهون إلى عطشي وقتها ويفهمونه دون كلام، من ذلك وفّروا لي كلّ ما يرون فيه حاجة لي.. وأولى تلك الأشياءِ الماءُ..
- أوه على الماء !
وأمسك قارورة كانت معه وسكب منها في فمه ليصل حديثه كأنّه يسقي الفكرة لينبتَ الكلامُ..
كان الماء حين يدخل جوفي يعزف منه كلُّ ما بداخلي كأنّ الحياة تتوقّف في الحشا حتّى تُسقى، ولكنّ نصفِيَ الأيمنَ لم يكن نصفيَ ولم يحيَ بماء يأتيه من فمي…
أنا الآن عطشان وبين يديّ قارورة ماء أشرب منها كما ترى.. عندما مرضت لم يكن هذا ممكنا.. كنت أعطش ولكنّني، وأنا في مكاني، أعبر متاهة كبرى قبل أن أجد الماء.. أصل إلى الماء بعد جهد جهيد حين أجد من العبارة ما يعبر بي إليها.. كانت المعاني في داخلي تتراكم ولكنّها تتكدّس فيّ ولا عبارة ألفظها تنقذني من أكداس ما أجد.. ألتزم صمتيّ .. تتزاحم المعاني في داخلي ولا قدرة لي على مدّ قنوات التعبير لها، فألتزم صمتي رغم ثقل أحمال نفسي.
عند جلطتي الثالثة غادرتِ الأسماءُ عندي أشياءها.. ووجدتَني في معزل بينهما.. كما لو أنّني منطقة عازلة بين الأشياء والأسماء.. لا أعي من الأشياء شيئا.. ولا أدري ما أقول في شأنها.. رأيتني في معزل من الكلمات والأشياء كواقف على الحياد لا يعنيه من الدلالة شيء.
حين تأتيني زوجتي بالماء أشرب منه وأشكرها، بكلّ طاقتي أشكرها.. على كلّ شيء أشكرها.. فأنا مثل تائه في بيداء برّح به اليأس قبل أن يجد مساعدا يمدّ له يد العون فاستحقّ المساعدُ الثناء…
أتعرف لماذا كنت أشكر زوجتي على كلّ شيء؟ لأنّني أضعت معنى الزوجة من عندي، فكلّ ما تفعله تلك السيدة التي نسيتُ أنّها زوجتي لأجلي هو من فضلها الذي تستحقّ عليه شكرَها..
تقول، أنت، إنّني لم أُضع، في ما ضاع منّي، خطاب الأخلاق وعرفاني بالجميل؟ لا أدري.. بصراحة لست أدري.. أنت تقول عنّي مهذَّب.. ربما أنا مهذَّب لم يُضع تهذيبه.
فما ذواتك الثلاث التي تحدّثت عنها؟
ذواتي؟ الثلاث؟
وأخذ يعالج علبة السجائر مرّة أخرى، وحين غرز السيجارة في فمه قطفتها من بين شفتيه ومضيت، لحق بي فأمسكت يده أرافقه إلى سيّارته وقد سكت إلّا من ابتسامة لي
ودعاء.
(يتبع.. ربّما…)
اكتشاف المزيد من تدوينات
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.