مقالات

أنثروبولوجيا الانقلاب «في نخبة الفقر والهَوَس بالكنوز»

أحمد الغيلوفي 

ما الذي جعل الانقلاب ممكنا بعد عشر سنوات من التجربة الديمقراطية؟ بإمكان المرء أن يقدم عدة إجابات لهذا السؤال: تحوّل مجلس النواب إلى حلبة عنف وهو ما دفع بقيس سعيد إلى التدخّل لإنقاذ الدولة، أو تحوّل المسار الديمقراطي إلى مجرد ملهاة انتخابية دون الذهاب إلى الجوانب الاجتماعية، أو عدم وصول الثورة إلى ردم الهوة بين الشعب والدولة وبين الهامش والمركز والإبقاء على نفس منوال التنمية وهو ما أدى إلى ظهور الخطاب الشعبوي لقيس سعيد. كل هذا صحيح ونستطيع أن نُقارب الظواهر الإنسانية والأحداث التاريخية من عدة جوانب.

نريد فيما يلي أن نُقارب نازلة الانقلاب من زاوية أنثروبولوجية ونطرح السؤال التالي: ما الذي في الثقافة التونسية سمح بوجود الانقلاب وجعل -في البداية- قسما كبيرا من الطبقة السياسية تُباركه؟

للبحث عن “فهم” أنثروبولوجي لهذه الأسئلة سنعود إلى الوراء للنظر في اهم الفترات الحديثة التي طبعت بقوة الذهنية التونسية وأثّرت فيها بقوة، كما سنُحدثُ مقارنة بين بحث التونسي عن الثروة والوظيفة وبحث السياسي التونسي عن حل “سياسي” ليتموقع في السلطة. قبل ذلك علينا أن نُدقق مفهوم “الثقافة التونسية”. بقيت ملاحظة: محاولة الكشف عن الجذور الأنثروبولوجية للانقلاب لا تُعفي أبدا المُنقلب ومن خطط معه ومن سانده من المسؤولية السياسية والقانونية، ما نريده فقط هو اعتبار العقلية الانقلابية مرضا يصيب المجتمعات المتخلفة والتي لم تعرف الحداثة، ومحاولة تشخيص هذا المرض والإشارة إلى طريق معالجته.
نقصد بـ “الثقافة التونسية” جملة القواسم المشتركة التي تُشكل الشخصية القاعدية التونسية، وهي محصّلة تراكمية من الأحداث والتجارب الجماعية أصبحت تتمظهر في المجتمع على شكل قواعد لتوجيه السلوك. إن الشخصية القاعدية هي ما يجعل المرء يلاحظ طُغيان نمط من السلوك العقلاني على مجتمع ما ونمط من السلوك الالتفافي يميّز الأفراد في مجتمع أخر. علينا أن نلاحظ أن مفهوم الشخصية القاعدية ليس جوهرانيا وثابتا، فهو ناتج في التاريخ ومُتغير بتغيره، كما انه ليس حتميا وقاهرا لأنه يسمح بالاستثناءات الفردية.

ماهي اهم الأزمات التي شكلت السلوك القاعدي للتونسي في الأزمنة الحديثة وطبعت الذاكرة واللاوعي الجمعي؟

أ. الأوبئة والمجاعات والخلاص الفردي

يُحدد الهادي التيمومي في “الغائب في تأويلات العمران البشري الخلدوني” اخطر الأزمات التي واجهها المجتمع التونسي ودفعته إلى حافة الخوف من الفناء، حيث بدأت من 1783 سلسلة من الأوبئة كادت أن تقضي على ساكنة تونس، ثم عاودت الظهور سنة 1800 و 1805، ثم ظهرت الكوليرا سنة 1856، ثم مجاعة كبيرة سنة 1867. وفي سنة 1818 ظهر وباء التيفوس القملي الذي استمر حتى سنة 1935 وهي السنة التي فتك فيها بالعباد. لقد شلّت هذه الأوبئة العملية الإنتاجية تماما وفُقِد الغذاء بشكل حاد، إضافة إلى تزامن الأوبئة مع سنوات جفاف استمرت من 1936 حتى سنة 1847 وهو العام الذي زحف فيه الجراد على البلاد ليذهب بما بقي من أشجار خضراء. إنها سنوات المجاعة التي اسماها التونسيون “سنين بوبرّاك” والتي اكلوا فيها الجراد لأول مرة في تاريخهم. كيف انطبع هذا في الذاكرة واللاوعي الجمعيين وخلق نمطا فرديا ولا معياريا للسلوك؟

خلّد التونسيون هذه الأزمات التي واجهوا فيها الموت في أمثلة شعبية ستُصبح قواعدا للسلوك وتُخبر عن حجم الفاجعة والرعب المُترسبة في النفوس، “أُفّادي قبل أولادي” (بطني قبل أولادي). لا شك أن الأوبئة والمجاعات والحروب هي حالات قصوى تهدد الحياة ويصبح الاستمرار الفردي هو الهاجس الأول والأخير، وهذه وضعية لها ما بعدها على صعيد الذهنية وقواعد السلوك. يتبع المرحوم منصف وناس هذه الأمثلة ويحللها في “الشخصية التونسية” مُستنتجا أنها تُبينُ عن سلوك فردي ولا معياري (أنوميا): التونسي لا يبالي بالقواعد العامة الأخلاقية والدينية والقانونية اذا تعارضت مع المصلحة الخاصة. لقد أدت هذه الأزمات أن تتخلى الشخصية القاعدية عن المعايير وتُفضّل النفع مهما كانت الطريقة الالتفافية والانتهازية، وكحُجّة على انغراس هذا السلوك في الشخصية القاعدية علينا أن نلاحظ، الآن، أن التونسي يُنددُ بالفساد ويدعو لاحترام القانون ويطالب بتطبيقه، ولكن اذا قام بمخالفة مرورية فانه يفضل أن يدفع رشوة على أن يتحمل مسؤولية فعله. “سلّكها تسلك” و”تونس وتنسى ناسك، مكتوب عالانهاج دبّر راسك”. تلك قواعد سلوك الشخصية القاعدية. أن تجاوز القانون هو اتفاق ضمني في الشخصية القاعدية، بل هو “شطارة” و”ذكاء اجتماعي” اذا كان يؤدي إلى “لقمة العيش”. لن نكون قاسين اذا قلنا بان التونسي مُستعد أن يتذلل لرئيسه في العمل ويتخلى عن احترامه لذاته في سبيل أن يترقى مهنيا أو يحصل على منفعة مادية أو رمزية، وفي هذا السياق علينا أن نفهم ما قامت به شخصيات أكاديمية وثقافية وإعلامية من تقرّب لقيس سعيد ومن تضحية بقيمتها الاعتبارية. علينا أن نقارن بين التونسي الذي يؤسس احترام “الرجل” على ما في جيبه فقط (ما يعيب الراجل كان جيبه) ومفهوم الاحترام الذي ظهر في الحداثة الغربية المؤسس على احترام القانون (انظر كانط “نقد العقل العملي” وكذلك لوي ديمون “في الفردانية، رؤية أنثروبولوجية للأيديولوجيا المعاصرة). التونسي لا يرى في المؤسسات والقانون تمظهرا لإرادته الخاصة، لذلك لم ير في الانقلاب أي تعدِّ على حرمته الذاتية أو أي عنف رمزي يمس من قيمته.

ب. فشل التعاضد: الشّلَليّة والمحسوبية والبحث عن الكنوز

نريد الانطلاق في هذه الفقرة من مفهوم “السلوك العقلاني” كما صاغه ماكس فيبر في “الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية” وطبقه على سلوك المقاول الكلفاني في عملية تحصيله للثروة ومراكمتها، ومقارنة ذلك بالسلوك الالتفافي للتونسي سواء في تحصيل الثروة أو في الوصول إلى السلطة أو المشاركة فيها. ترتكز العقلانية عند “فيبر” على فكرة “نزع القداسة عن العالم” أي تجريد العالم من القوى الغيبية ورفض التعويل على الآخر سواء كان الله أو الكنيسة في عملية الخلاص. لقد وقع تعويض الواسطة بالعمل الفردي المُستقل والجهد والمراكمة في مسار تحقيق الخلاص الدنيوي.

مقارنة بهذا المسار العقلاني الذي يميز الفرد الحديث علينا أن ننظر في استراتيجيات التونسي في عملية تحقيقه للثروة أو في مسار تحصيله على وظيفة والتّرقّي فيها.

يُرجعُ منصف وناس ظهور السلوكيات اللاعقلانية للتونسي في مسار تحقيق المنفعة إلى فشل تجربة التعاضد: لقد قذفت هذه التجربة القسرية والمُرتجلة، وفي ظرف وجيز، بين 1964 و1969 حوالي 700 الف تونسي إلى العاصمة والى سوسة وصفاقس، وشكلوا أحياء عشوائية فقيرة على تخوم هذه المدن. اخطر نتائج هذه الأزمة هي تفكك البنى والمعايير، وظهور عقلية البحث عن الربح السريع اعتمادا على التحيّل والمحسوبية والواسطة والزبونية. عوض المسارات العقلانية والمؤسساتية التي تقوم على الحق والكفاءة، سيعوّل التونسي الواقع تحت أسنان الحاجة على “الأكتاف”: “ضربة بكتف خير من مائة عام قراية”، “تعرفش شكون في الوزارة؟” “عندك شكون في الصبيطار؟”. سوف يقع أيضا إحياء هياكل تقليدية داخل المدن في شكل شِلل جهوية وعروشية وقبلية، واستعمالها من اجل الحماية أو من اجل الوصول إلى مواقع داخل الإدارة. الشللية هي استراتيجيا متخلفة لتحصيل المنافع، وتقوم على منطق الانغلاق التام تجاه “الغريب”، وعلى منطق الولاء والطاعة والمُناصرة العمياء مقابل الحماية وتقاسم المنافع بعيدا على منطق الكفاءة والاستحقاق القانوني. علينا أن نستحضر هذه العقلية التي تميز الشخصية القاعدية عندما نريد فهم سلوك الكثير من الشلل السياسية تجاه الانقلاب: عوض السلوك العقلاني الصّبور والمثابر الذي يقوم على إعداد البرامج وإقناع الناس واتباع طريق المراكمة والعمل للوصول إلى السلطة، فإنها -الشلل- خيرت منطق الولاء والمساندة العمياء للانقلاب ريثما تتخذه “واسطة” للوصول للسلطة بسرعة.

نفس العقلية التي لا تؤمن بفكرة التقدم وتقوم على احتقار المجهود والالتفاف على المسارات العقلانية التي تقوم على التخطيط والعمل وتحسين الأداء، وتعتقد انه بالإمكان القفز من الفقر المدقع إلى الثروة/السلطة، نجدها في هوس التونسي بالكنوز. علينا أن نلاحظ امرين: أن الهوس بالكنوز لا نجده إلا في المناطق الفقيرة وبين الشرائح الغير متعلمة والتي لا تملك مؤهلات دراسية تجعلها تتبع المسالك المؤسساتية والحديثة في بناء الثروة، وثانيا لا معيارية هذا السلوك، بمعنى انه يضرب عرض الحائط بالمعايير الدينية والأخلاقية في عملية البحث عن الكنز: في 2008 وقع نبش اكثر من ثماني توابيت داخل المساجد بجربة، في تجاوز تام للمعايير التي تحرم نبش القبور وتجعل للمساجد حرمة. إن هذا السلوك نتيجة لتحقير العلم والمدرسة كسلم للارتقاء الاجتماعي، وكذلك تحقير قداسة العمل والجهد كطريق للوصول إلى الثروة. لقد عامل البعض الانقلاب بوصفه “كنزا من السلطة” يُعفيهم من مسار طويل وشاق ويُجبرهم على المرور من مسارات مؤسساتية. لان هؤلاء يعرفون أحجامهم، وقد جربوها وقدموا انفسهم للشعب التونسي، فانهم، مثلهم مثل فاقدي المؤهلات التعليمية، لا يملكون إلا البحث عن الكنوز، في سلوك لا معياري أيضا، ضاربين عرض الحائط بالشعارات الحداثية والتقديمة والديمقراطية التي عاشوا عليها ردحا من الدهر. لا تختلف هذه “النخبة” في شيء مع الشخصية القاعدية، بل هي الشخصية القاعدية: إن عدم الإيمان بان نباء الثروة مسار عقلاني وطويل، وعدم الإيمان بان الإصلاح والنهوض مسار يحتاج عملا شاقا وشروط هي تقوية المؤسسات والتربية على العمل والمواطنة، وعدم الإيمان بان الديمقراطية تقوم على المراكمة والتحسين المستمر، عدم الإيمان بهذا هو سلوك متخلف ورجعي لا يؤمن بفكرة التقدم. إن التصفيق للانقلاب عوض تقوية المؤسسات والمراهنة على المستقبل هو سلوك نبّاش القبور وحفّار المساجد. إننا لا نجد الانقلابات إلا في المجتمعات الأكثر كسلا وفسادا وتخلفا وفقرا، والنخب التي تساند الانقلاب هي الأكثر تعبيرا عن هذه الشعوب.

اترك رد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock