الأحد , 20 سبتمبر 2020

ليبيا مرشحة لأن تكون قوّة عسكرية واقتصاديّة إقليمية بعنوان الديمقراطيّة والدولة المدنية

زهير إسماعيل 

تكوّن لدينا انطباع منذ 2014 بأنّ ثوّار 17 فبراير الذين أُجبروا على حمل السلاح في مواجهة النظام غير قابلين للهزيمة. وقد عبّروا عن وجودهم المسلّح من خلال قوات “فجر ليبيا” و”البنيان المرصوص” التي هزمت داعش في سرت وأخرجتها منها ليحمي حفتر فلولها في المناطق التي يسيطر عليها. وكانت قوات البنيان المرصوص تتجه إلى الهلال النفطي وبن غازي لطرد حفتر بعد أن دمّر أحياء بأكملها في بنغازي وارتكب جرائم حرب بواسطة محمود الورفلي المطلوب من قبل القضاء الدولي على أنّه محرم حرب. ولكنّ قوات الأفريكوم حذّرتهم تحذير تهديد من التقدّم.

وقوات “بركان الغضب” التي قادت فكّ الحصار عن طرابلس وتتجه إلى شطب المرتزق حفتر والمشروع الصهيوني الفرنسي الإماراتي في ليبيا.

قوات 17 فبراير غير القابلة للهزيمة هي اليوم خلاصة لسنوات من القتال الميداني بوسائل وخطط تختلف عن وسائل الجيوش التقليديّة. والتدريب الحي الذي يُكسب المقاتل قدرات وخبرات مستخلصة من الممارسة.

وتظهر الصور شبابا حفاة يمتلكون شجاعة أسطورية وعزما على فرض الحريّة والدولة المدنية بقوّة السلاح بعد أن فرضت عليهم الثورة المضادّة الصهيونية الإماراتية والمصالح الدولية المتاجرة بالثقافة الأممية ومؤسساتها (مجلس الامن) حمل السلاح الدفاع عن أرضهم وعرضهم وحقّهم في الحريّة والكرامة الإنسانيّة.

نذكر جيّدا الحرب العراقيّة الإيرانية التي استمرّت ثماني سنوات وكانت مدمّرة للبلدين. وخاصّة في الجانب الإيراني فالولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها هم من ورط العراق عشية الثورة الإيرانية ووفّر المساعدة اللوجستية والسلاح بتمويل خليجي.

ولكن نتيجة مهمّة من نتائج الحرب هي خروج العراق بجيش مكوّن من مليون جندي على أعلى درجات التدريب والخبرة الميدانية. وهي ليست خبرة جيوش الثكنات وإنّما خبرة حرب طاحنة فقد فيها الطرفان أكثر من مليون من كل جهة، فضلا عن خسائر العمران وتعطّل النفط والطاقة والإنتاج. فقد كان لصواريخ الاي تسقط على المدن في الجانبين أثر الزلازل المدمّرة.

خرج العراق من خربه بأقوى جيش في المنطقة وبقيادة في حجم صدّام حسين. ولم يكن أمام الدوائر الإمبريالية سوى جرّ المنطقة إلى سياق يسمح بتدمير جيش العراق حتّى لا يجد الوقت الكافي لبسط نفوذه في الحوار الخليجي والعربي. فكانت خرب الخليج الثانية التي لم تنته إلا باحتلال بغداد عاصمة الرشيد وانطلاق مشروع تدمير العراق.

في ليبيا اليوم يتوفّر هذا الشرط لبناء مؤسسة عسكرية قوية ونوعية تحمي الديمقراطيّة المرتقبة.

وأمّا الانتظار الثاني فهو أن تتحوّل ليبيا إلى قوّة اقتصاديّة إقليمية. وتملك لبيبا ثروات نفطية هائلة وثروة الحديد (في مصراتة أكبر مصنع للحديد الصلب في أفريقيا) إلى جانب ثروات فلاحية في الماشية والزراعة….ولليبيا خبرات عالية في كل الاختصاصات هاجر أغلبها إلى أوروربا وأمريكا في نهاية السبعينيات بعد انحراف القذافي إلى إهدار ثروات البلاد وتفتيت ما ورث من موًسسات في التعليم والطب والفلاحة والثقافة، واستعاض عنها بسياسة شعبيوية فقيرة لا تخلو من سفاهة (تبديد الثروة في سياسة خارجية بلا رؤية إلا رغبات رأس السلطة).

الوصول إلى بناء هذه القوّة العسكرية المؤسسية والاقتصادية مشروط ببناء الديمقراطيّة وتحقيق مصالحة تاريخية بين مكونات ليبيا الجهوية والمناطقية والقبلية والسياسية. وأنّ مدى القتال اليوم هو شطب حفتر ومرتزقته. والبرهنة على أنّ القتال/السلاح لم يكن إلا الكره الذي يُضطَرّ إليه حين يفرض عليك الخصم سلاحا وحيدا لتمنع عدوانه.

أمام ثوار 17 فبراير فرصة تاريخية لبناء بلدهم وتسطير ملحمة في التحرّر الوطني من أنظمة الاستبداد سليلة المرحلة الاستعمارية.

التحدّي اليوم لم يعد حفتر وإنّما هو إدارة الحل السياسي في شروط محلية وإقليمية معقّدة ومتحوّلة. وأنّ نجاحهم في إدارة المرحلة السياسيّة بالوعي الدقيق بتفاصيل جغرافيا ليبيا السياسيّة والمناطقيّة والقبلية وما ارتبطت به من صلات مع القوى الإقليمية والدولية. وهذا يحتاج قيادة متميزة ومؤثرة تحظى بإجماع واسع جذرية في مصالح ليبيا ومستقبلها الديمقراطي وقادرة على بناء التوازنات وترتيب المشهد الليبي السياسي والاجتماعي في علاقاته بجواره خاصّة.

الانتخابات التي تلي مراحل الاقتتال والاحتراب الأهلي قد تكون سببا في انفجار سريع وأعنف مما سبق. ولذلك يبدو الصبر على بناء تسوية واسعة ومصالحة شاملة مرحلة ضرورية. وتكون الأولوية بإعادة بناء الإدارة وترميم المدن المهدمة وتوفير الخدمات الأساسية (حتّى الدستور يمكن أن يكتب توافقيا قبل الانتخابات). وسيكون للانتخابات ظروفها عندما تلأم الجراح وتهدأ النفوس وتستعيد الحياة نسقها… وهي الظروف التي تردم الهوة بين الشرعية الانتخابية والشرعية السياسيّة.

التجارب الثوريّة عديدة في هذا الجانب ويمكن الاستفادة من التي نجحت في التدرج ببلادها وعيا بشروط ما يعقل الخروب الأهلية. وحتّى في الحروب التي خيضت ضدّ المستعمر المجمع على محاربته لم يسلم المحررون من احترابهم حين صارت السلطة بين أيديهم.

ليبيا إذا ترفّق بها أبناؤها واستفادوا من تجربتهم وتجارب غيرهم وتيقّظوا في إدارة “الحل السياسي” وحسن التنسيق الإقليمي المغاربي (تونس والجزائر خاصّة) ستكون قوّة اقتصادية وعسكرية وازنة ورافدا قويا لمغرب عربي ديمقراطي. وسيكون لتركيا دور بارز في هذا وهي التي ستصبح البلد الاوروبي الاقوى عسكريا واقتصاديا. ويبرز تاريخ الثروات أنّه لا نجاح لثورة دون قوة دولية داعمة. هذا في مرحلة التحرير في بداية مرحلة البناء. وكان سيكون لبلادنا الدور الريادي في هذا الباب. يوجهنا هدف بناء الديمقرطية في المجال العربي بغاية انتظامه في قوة اقتصادية وسياسة وثقافية وازنة. وهذا من شانه أن يدفع المجالين الجارين التركي والإيراني إلى إعادة تريتب العلاقة مع المجال العربي باحترام وحدته واجتماعه وانتظامه الخاص وأنّ في اجتماعه مصلحة مشتركة باتجاه ثلاثي (تركي، إيراني، عربي) سيكون له دور أوّل في عالم يتغير نحو أوروبا جديدة مفككة ولايات متحدة أمريكية مرتدّة إلى حدودها الأطلسية ( = شرق أوسط بلا إسرائيل) صين جديدة تقود الاقتصاد العالمي.

سيمثل المجال العربي وتركيا قاعدةً مدعومة بإيران موضوعيا (ستراجع استراتيجيها السابقة بعد أن تعرف ربيعها الإصلاحي قريبا) “الغرب الجديد” (شرق المتوسط)، فغرب المتوسط كأنه يعود إلى دوله الأولى محدودة الفاعلية.

نحن لم نكن يوما شرقا ولكننا استسلمنا إلى أطروحات الاستعمار مسلحا بالفكر الاستشراقي. وهم يعرفون أنّ العلماني الفرنسي أقرب إلينا (على مستوى نظام الفكر وبنية العقل) من المسلم الصيني في مدينة بيهاي أو ووهان. ومبكرا جدّا انتبه طه حسين في “مستقبل الثقافة في مصر” إلى يونانية العقل المصري ومصرية العقل اليوناني، تعبيرا عن تحدّ نهضوي آخر محكوم بمنزع طه حسين نفسه وبشروط تلك المرحلة المختلفة.

هذا أفق ترتسم بعض ملامحه، وقد يبلغ مداه في العشريات القادمة وقد تكون للتاريخ أدوار أخرى. فما يشترك فيه بقدر متساو من استندوا إلى الأسباب والعلم أو إلى الخرافة والحلم هو أنهم لا يعرفون ماذا سيكون غدا… والله يعلم وأنتم لا تعلمون.

شاهد أيضاً

حكومة الديوان تطلب الثقة من البرلمان

زهير إسماعيل  سيكثر الحديث حول تركيبة هذه الحكومة التي خرجت البارحة من السريّة إلى العلنيّة. …

هات آش يفهّم عيشة ؟؟!!…

زهير إسماعيل  هذه الجملة وقصتها الشهيرة أفضل ما يعبّر عن عجز الأحزاب في الإقناع بدورها …