عبد اللّطيف درباله
فضيحة جديدة: السلطات التونسيّة سمحت لـ10 إيطاليّين بدخول تونس.. ومنعت طالبة تونسيّة عالقة بإيطاليا منذ شهر أفريل.. من الركوب معهم بالطائرة ومن الرّجوع إلى وطنها..!!!
طالبة تونسيّة تدرس بإيطاليا.. وتحديدا بجزيرة “سردينيا”.. غرب إيطاليا وشمال تونس.. علقت بالجزيرة حيث تدرس.. وذلك مع بداية أزمة كورونا والحجر الصحّي العام بإيطاليا وتونس وغلق الحدود وإيقاف حركة الطائرات والسّفر..
سجّلت اسمها منذ شهر أفريل بالسفارة التونسيّة في إيطاليا كبقيّة المواطنين المهاجرين.. باعتبارها سلطة التنسيق لتنظيم عودة المواطنين العالقين في الخارج.. من أجل الرّجوع إلى بلادها في أقرب وقت ممكن..
شركة إيطاليّة لديها 10 موظّفين عاملين بتونس.. يكتسي رجوعهم أهميّة قصوى.. إلى درجة أن قرّرت استئجار طائرة خاصّة لهم.. وحصلت على الترخيص من السلط التونسيّة لهبوطها بمطار تونس قرطاج الدولي..
وطبعا نسّقت الشركة مع السلطات التونسيّة ومع السفارة التونسيّة بإيطاليا لترتيب الموضوع..

كان من الصّدف أنّ الطائرة الخاصّة الإيطاليّة ستقلع في رحلتها إلى تونس من مطار “كالياري” بجزيرة “سردينيا” نفسها.. علما وأنّه في الأوقات العاديّة لا توجد رحلات طيران مباشرة بين تونس وتلك الجزيرة.. وإنّما تمرّ السفرات عبر روما أو مدن إيطاليّة أخرى.. أي بركوب طائرتين للوصول..
السفارة التونسية اجتهدت.. واعتبرت أنّ الفرصة سانحة لتمكين مواطن تونسي من الرّجوع إلى بلاده.. وهي الطالبة المسجّلة لديهم والعالقة بمفردها بنفس الجزيرة حيث توجد الكليّة التي تدرس بها..
وطلبت السفارة من الشركة الإيطاليّة التفضّل بتمكين المواطنة الطالبة التونسيّة من السّفر معهم بالطائرة.. فقبلت الشركة الإيطاليّة بذلك.. ومجّانا..!!
بعد ظهر يوم الاثنين 27 ماي 2020.. اتّصلت مصالح السفارة التونسيّة بالطّالبة هاتفيّا.. وأخبرتها أنّ هناك فرصة لعودتها إلى تونس.. لكنّ الرحلة مبرمجة مباشرة صباح اليوم الموالي الثلاثاء 26 ماي على الساعة 11 و30 دقيقة.. واستفسروها هل أنّها معنيّة بالسّفر ويمكنها ترتيب أمورها لتكون في الموعد..؟؟
الطالبة التونسيّة فرحت جدّا.. فأخيرا سيمكنها أن تعود إلى بلادها.. بعد طول انتظار وشبه يأس.. وبرحلة طيران مباشرة من مطار “كاليري” قريبا منها بنفس الجزيرة.. لذا فقد وافقت فورا على العرض وشكرت موظّفي السفارة.. وأكّدت أنّها ستكون بالمطار في موعد الرحلة..
قبل أقّل من 20 ساعة من توقيت السّفرة.. بدأت الطالبة سباقا ماراطونيّا لترتيب أمورها في بضع ساعات.. لعودتها إلى تونس.. وتسوية الأمور العالقة.. وقضت ليلة بيضاء لم تنم فيها..
اتّصلت بصاحبة المسكن الذي تتسوّغه.. وسوّت معها وضعيّتها.. وسلّمتها مفاتيح المسكن.. وأخذت أدباشها.. وأجرّت سيّارة تاكسي تكلّفت حوالي 60 أورو لمسافة 50 كلم إلى المطار.. ووصلت في الوقت المناسب.. وكان اسمها مسجّلا فعلا في قائمة المسافرين بالطائرة إلى تونس..
أنهت الطالبة التونسيّة المعاملات الأمنيّة والديوانيّة.. وتمّ ختم جواز سفرها.. وعبرت للركوب..
لكنّها فوجئت بأنّ اتّصالا من جهة ما من سلطات المطار في تونس أصدر تعليمات بأن لا تركب الطائرة..!!
صُعِقَتْ الطالبة.. واتّصلت بالسفارة.. وتدخّل سفير تونس بإيطاليا شخصيّا مع السلط بالمطار الإيطالي.. وتمّ الاتّفاق على ركوبها الطائرة..
إلاّ أنّ مسؤولا بالمطار في تونس.. أعاد الاتّصال بالسّلط الإيطاليّة.. وأعطى تعليمات صريحة بأنّه لا يجب تمكين الطالبة التونسيّة من ركوب الطائرة والسّفر.. ولن يقع قبولها في تونس..!!
أمام ذلك الموقف الصّارم.. اعتذر موظّفو المطار الإيطالي ومسؤولو الشركة الإيطاليّة المستأجرة للطائرة للطالبة التونسيّة.. ومنعوها من ركوب الطائرة.. التي كانت تقف تقريبا على بابها..!!!
بالاستفسار لاحقا عن الأسباب.. نقل بعض المتحدّثين مع المسؤولين بالمطار في تونس.. ومع مسؤولي وزارة الصحّة المسؤولين عن تنظيم استقبال الوافدين والحجر الصحّي الإجباري.. أنّ السبب هو لوجيستي.. وأنّه تعذّر ترتيب نقل الطالبة عند وصولها إلى تونس إلى مكان الحجر الصحّي..!!!
أي نعم..!!
حتّى أنّ البعض نقل حرفيّا عن أحد المسؤولين قوله في محاولة للتبرير أنّه لم تكن توجد سيّارة لنقل الطالبة للحجر الصحّي الإجباري في توقيت وصولها..!!!
الطالبة ذُهِلت وصُدِمت وحزنت بالمطار.. فقد كانت على مسافة ساعة زمن من وطنها وأهلها بعد معاناة أشهر من الانتظار والقلق.. ومُنعت من الرّجوع بطريقة تعسفيّة غير مفهومة ولا مبرّرة..!!
وهي لا تعرف متى يمكن أن تسنح فرصة موالية..!!
الأكثر من ذلك أنّها كانت بالمطار وحيدة.. وقد سبق لها تسليم مسكنها لمالكته.. ولا تعرف كيف ستتدبّر أمرها.. ولا أين ستبيت ليلتها تلك..!!
حتّى أنّ قناة “RAI3” التلفزيّة الإيطاليّة أوردت في أخبارها المكتوبة.. وطبقا لمواطنين تونسيّين.. خبرا عن وجود طالبة تونسيّة عالقة بمطار المدينة.. وكيف أنّ عشرة موظّفين إيطاليّين في تونس تمّ قبولهم لدخول تونس.. في حين حرمت مواطنة تونسيّة من ذلك لأسباب مجهولة..!!
وهي فضيحة بكلّ المقاييس..!!
في النهاية.. بقيت الطالبة عالقة بالمطار الإيطالي لعدّة ساعات.. إلى أن تمكنّت من معاودة الاتّصال بمالكة منزلها المستأجر السابق المقيمة خارج الجزيرة.. فكلّفت شخصا من عائلتها بإعادة تسليمها المفاتيح..!!
واضطرّت الطالبة لركوب سيّارة أجرة من جديد.. باعتبارها مثقلة بالحقائب.. لتدفع حوالي 60 أورو رجوعا لمسكنها مرّة ثانية.. بعد أن دفعت صباحا مثلها ذهابا للمطار.. أي ما يعادل 400 دينار تونسي..!!!
سفير تونس بروما معزّ السيناوي كان اعترف بالواقعة.. وصرّح لوسيلة إعلام تونسيّة أنّ خطأ في التنسيق كان هو السبب في الإشكال الذي حصل..!!
هذا المسؤول “التونسي” (المجهول).. الذي أغلق عقله وقلبه وهو يتعامل مع حالة مواطنة تونسيّة.. في المهجر..
ويقرّر هكذا بكلّ برود..
وبكلّ جمود إداري وبيروقراطي..
وبكلّ انعدام للحسّ الوطني والإنساني.. وحسن التصرّف والإدارة..
ألم يفكّر في لحظة كيف أنّه يمكن تأمين عودة طالبة هي فتاة شابّة من المجيء إلى وطنها.. وأن يبحث لاحقا في كلّ الحلول الممكنة حتّى ولو انتظرت ساعات بمطار تونس..؟؟!!
لو تخيّل هذا المسؤول (أو هؤلاء المسؤولين) الذي اتخّذ القرار للحظة.. أنّ الفتاة العالقة بإيطاليا على باب الطائرة هي ابنته أو ابنة أخيه أو ابنة شقيقته مثلا.. هل كان سيأخذ نفس ذلك القرار القاسي..؟؟!!!
هل هناك مسؤول رفيع في تونس أخذ الواقعة للتحقيق.. وحمّل من أصدر القرار الغير إنساني واللاّوطني والسخيف.. المسؤوليّة وحاسبه..؟؟!!
هل يعقل أن ترمي تونس بأبنائها منذ أشهر في دول متناثرة في العالم.. وأن تقف مانعا حتّى أمام فرصة سنحت لمواطنة هي فتاة وطالبة صغيرة أن ترجع إلى وطنها بأقلّ التكاليف.. وتمنعها من ركوب الطائرة وهي على بابها.. بتعلاّت سخيفة وواهية وفاضحة..؟؟!!!
هل أنّ تونس وجدت مكانا وترتيبات لـ10 مواطنين إيطاليّين لدخول تونس.. وعجزت عن إيجاد حلّ لمواطنة واحدة في طائرة تقلّ 11 شخصا فقط..؟؟!!
هذا المسؤول الذي اتّخذ قرار منع الطالبة من ركوب الطائرة.. كيف يستحقّ فعلا وأصلا أن يكون مسؤولا وهو لم يستطع إيجاد حلّ لمواطن واحد.. فكيف سيجد حلولا لمئات وآلاف المواطنين..؟؟!!!
والأهمّ من كلّ ذلك.. كيف سيمكن لتونس أن تفتح أبوابها للسياحة.. وتفتح مطاراتها من جديد.. لقدوم آلاف السيّاح الأجانب.. كما تحلم الحكومة ووزير السياحة.. ويتشدّقون في الإعلام.. والحال أنّ الدولة عاجزة أصلا عن ترتيب رجوع مواطنيها إلى بلادهم..؟؟!!
اكتشاف المزيد من تدوينات
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.