الثلاثاء , 1 ديسمبر 2020

خطاب العيد بين وعد ووعيد

مصدق الجليدي

توجّه الرئيس قيس سعيد بخطابه إلى ثلاث فئات كبرى من التّونسيين بحسب تقديره:

  • الحالمون الواهمون بعودة النظام القديم.
  • الذين في قلوبهم مرض (وهم المتوجّسون خيفة من أقوال وأفعال الرئيس).
  • الذين ليس في قلوبهم مرض (هم المؤيّدون له على الدوام) وقد جدّد التأكيد على عمله على الإيفاء بالوعود التي قطعها على نفسه لهم. وهم بالضبط مجموع الناخبين الذين صوّتوا له في الدّور الأول أو غالبيتهم. أي حوالي نصف مليون ناخب إلى ستمائة ألف ناخب من مجموع أربعة ملايين ناخب تقريبا.

الصّنفان الأولان عَدَّهما من الجوائح التي توعّدها بالتفرّغ لها بعد الانتصار التام على جائحة الكورونا.
وبالتالي تهنئة العيد الرئاسية لا تهمّ “هذه الجوائح”.
في المحصلة الرئيس يهنّئ فقط الّذين يؤيدونه وربما بعض الشيء الذين يقفون على الحياد (وهل ثمّة اليوم من هو محايد؟).

كما أنه قد غمز إلى شيئين آخرين:

  • إعداد البعض لترتيبات تخصّه في الحكم (الأرجح يقصد بذلك الفخفاخ).
  • فوضى المفاهيم: خصومة مع بعض زملائه القانونيين على ما يبدو، في ما يخص مفهومي الشرعية والمشروعية.

كل هذا في سياق تهنئة بالعيد. أي تهنئة على وقع وعد ووعيد، مع نصيب أكبر للوعيد.

تعليقي على هذا الجانب الأول في الخطاب:
ألم يكن من الأسلم والأجدر ونحن كما تقول الأغنية “الليلة عيد، الليلة عيد” هو بناء الخطاب على الثنائية الآتية:

  1. الرئيس هو رئيس كل التونسيين، من يحبّونه ومن لا يحبّونه، من يتوافقون معه ومن لا يتوافقون، من فهمه ومن لم يفهمه، ولذا فالأجدر أن يوجّه تهنئته بالعيد إلى كل الشعب بكل انشراح على خلفية الانتصار الكامل القريب على الكورونا، وعلى خلفية خُلق التسامح والأخوة الدينية، وعلى خلفية مبدإ المواطنة والانتماء المشترك للوطن وللجمهورية.
  2. التّعريج على فئة قليلة ضالة واهمة بأنه يمكنهم العودة إلى ما قبل الديمقراطية، بالالتجاء إلى الفوضى والحرق والتخريب. هؤلاء يستثنيهم من عامة شعب المواطنين ويتوعّدهم بتطبيق القانون في حقهم دون تردّد ولا تراخ.

هذا بخصوص الجانب الأول في الخطاب، الجانب الذي اختلط فيه الوجداني بالسياسي.

أما الجانب الثاني فهو من الناحية السياسية أهم، ويتضمن أربع نقاط:

  1. التّأكيد على القانون وعلى التصدي للفوضى والتخريب.
  2. التّذكير بأنّ الدولة “لها رئيس واحد”: رسالة لرئيس البرلمان.
  3. التأكيد على الحقوق الاجتماعية لعموم المواطنين.
  4. الإعلان عن اعتزام الرئيس التقدم بمجموعة من مشاريع القوانين إلى البرلمان، وتحميله المسؤولية أمام الشعب والوطن والتاريخ في كيفية تعامله معها.

النقاط الثلاث 1 و3 و4 لا يمكن لأي مواطن نزيه إلا تبنيها من حيث المنهج السياسي والقانوني، بغض النظر عن الموقف من محتوى مشاريع القوانين الرئاسية المقبلة.
أما النقطة 2 فهي تعكس واقع التنازع على الصلوحيات بين قرطاج وباردو، وهذا موضوع واضح من بعض جوانبه ومعقد من جوانب أخرى، ولا يتسع المجال لتحليله.
ما أتطلع إليه شخصيا، هو انخفاض منسوب التوتر في علاقة الرؤساء الثلاثة ببعضهم البعض. و أن ينخرط السيد رئيس الدولة في ممارسة مهامه بطريقة أكثر سلاسة وأكثر تحفظ في علاقته بشركائه في الحكم من جهة السياسة التواصلية الخاصة بهذه العلاقة، مع عدم التفريط في صلاحياته، والحرص على التطبيق الصارم للقانون مع المتعدين عليه والمستهترين به.

وفي كلمة: الشعب لا يسعد بسماع ومشاهدة خصومات بين الرؤساء الثلاثة، ولا يرتاح لهذه الخصومات، ويكون في غاية الاطمئنان لما يراهم منسجمين ومتعاونين على خدمته وخدمة البلد.

شاهد أيضاً

انتهاء النهضة التاريخية: خسارة وطنية أم مكسب وطني؟

مصدق الجليدي  مؤشرات متلاحقة تدل على أنّ النهضة التاريخية انتهت أو بصدد التناهي. وهذا أمر …

إجاباتنا الخمس على الإسلاموفوبيا

مصدق الجليدي  انظروا يا أمة الإسلام: إجابتنا على الهجمة الإسلاموفوبية الصليبية-الصهيونية الفرنسية تكون في المستويات …

اترك رد