الأحد , 29 نوفمبر 2020

حتى القطط جاعت فما بالك الإنسان

ليلى حاج عمر

مشهدان أدميا قلبي اليوم: مشهد قطط جائعة هزيلة تترجّى العابرين طعاما بمواء لطيف بعد أن أغلقت المطاعم وتركتهم للجوع على الأرصفة الخاوية، ومشهد مئات التونسيين يهرولون في الطريق الصحراوي الطويل بعد اقتحام بوابة راس جدير في مشهد سيريالي لعودة الأبناء الضالّين يمكن أن يلهم كبار مخرجي العالم ليصوغوا تراجيديّة الزمن الحديث. تراجيديا نصارع فيها “أقدارا” صنعتها “دواعش” رأسماليّة معولمة تقذف بالإنسان في قلب رحاها وتطحنه وتتخلّى فيه الدّول عن مهمّشيها المنسيين اللاهثين وراء الخبز في أيّ مكان من العالم وبأيّ وسيلة.، بعد أن أطردتهم غصبا عنهم وأذاقتهم الخذلان.

يمكن اعتبار المشهد الثاني من أقوى وأقسى المشاهد التي ستظلّ راسخة في الذاكرة التونسيّة سنة كورونا، ذاكرة تختزن كثيرا من الأوجاع المتعلّقة بحضور الإنسان هنا، وهو حضور متفاوت في درجة المواطنة، حيث لا يُعامل الجميع بنفس الكيفية، وحيث تنفجر القسوة والاتّهامات بالدوعشة في وجه الفقير والضعيف والمخذول، وحيث يتوارى الكثير وراء الدوعشة الوهمية لإخفاء دوعشتهم الفكريّة.
ولكنّ المشهد الأول قاس أيضا. إنّه مشهد لخذلاننا لمن حولنا من الكائنات التي تشاركنا الهواء. وربّما رحمتنا بهم تعلّمنا الرحمة بالإنسان الذي يشاركنا الهواء أيضا، فلا نتّهمه ولا نتحامل عليه… إنّه الاختبار الأكبر لقدرتنا على الدّفاع عن الإنسان فينا.

شاهد أيضاً

في الاستحياء والخيلاء.. التونسي المزهوّ بذاته، الخجول منها

ليلى حاج عمر  في حوار ذات يوم مع مختصّ في تاريخ الشعوب، لمّح إلى أنّ …

الرسول الأكرم وخيمياء الحضارة وصنّاع الرثاثة

ليلى حاج عمر  البحّارة الذين يطرحون السمك القليل الذي اصطادوه طوال الليل على الرصيف في …

اترك رد