الصادق الصغيري
لم تكن الأيام والأشهر مطلع سنة 1987 عادية، فكل الأخبار المتداولة تؤكد قرب انطلاق حملة اعتقالات في صفوف المعارضين، كل عناوين الصحف المكتوبة بالبنط العريض تشير إليهم بأصابع الإتهام، بأنهم وراء كل المشاكل التي تعرفها البلاد، حتى مسألة تأخر نزول الأمطار، وتراجع الاستثمار وتدهور الدينار.
كما تزايدت إشاعات مرض رئيس الدولة، واسئلة مرسومة على شفاه المواطنين عن الحاكم الفعلي للبلاد.
المراسلات الأسبوعية الواردة عليّ من العاصمة تؤكد قرب هبوب العاصفة الهوجاء، بل هذه المراسلات المقتضبة لا تكاد تضم إلا توصيات تشدد على التخلص من كلّ الوثائق ومن الأسماء ووضع سيناريوات للبحث والتحقيق استعدادا لهذه الاعتقال. اقضي رفقة زوجتي بعد أن ينام الأولاد أوقاتا طويلة في مراجعة المكتبة وما تحتويه من كتب وخزانة الأدباش والرفوف والتأكد من خلوها من الوثائق التنظيمية، أو أسماء أو وصولات لالتزامات مالية مدفوعة أو مأخوذة من المناضلين. نفس الاحتياطات أخضعت لها مكتبي بمقر العمل، مخافة أن أكون غفلت عن ورقة بها أسماء او معطيات قد تدينني في شيء. أصبحت مطمئنا إلى أن كل الأمور على أحسن ما يرام، وأن لا وثائق مهما كان حجمها أو قيمتها يمكن ان تشكل أداة إدانة. هذا ما علي والبقية على الله.
عدت بعد مغرب يوم من شهر مارس إلى المنزل، استلقيت على البنك استرجع أنفاسي، وأطلقت الخيال لوضع أسماء مستعارة للأصدقاء وإعادة صياغة العلاقات مع الجميع لتكون بريئة براءة الأطفال، حتى سمعت طرقا خفيفا على الباب. فتحفزت وتحفزت زوجتي التي كانت تلاعب الأبناء وتقنعهم بضرورة تركي ارتاح قليلا بتعلة اني تعبان من العمل.
ليس لي مواعيد رتبتها مع أي كان، التنبيهات صدرت للجميع لتجميد أي نشاط أو اتصالات مهما كانت بسيطة. تطلعت من النافذة أتعرف إلى الطارق وقد ذهب بي الظن سريعا إلى أن حملة الاعتقالات كانت أسرع مما كنت اقدر. لم أتبين الطارق جيدا، ولكن أيقنت من لُطف الطَرْقِ والانتظار بعيدا عن الباب أنه ليس من الزوار المنتظرين، فهذه ليست من عاداتهم.
فتحتُ الباب ببطء، فوجئت بجاري الذي يقطن أمامي مباشرة، يعتذر مني عن القلق الذي يمكن أن يكون سببه لي بقدومه في مثل هذا الوقت. لم تكن لي به علاقة كبيرة، نتبادل السلام كلما تقاطعنا ذهابا او ايابا، وقليلا ما يحصل ذلك فهو قليل الظهور. ولكن لزوجتي علاقات جيرة مع زوجته وبناته.
بادرني بالقول:
– قاصدك في قضية وليس لدي من ملاذ إلا سواك.
– ان شاء الله خير، ان كان ذلك في مقدوري فلن أتردد، نحن جيران، تفضل.
– ربي يبارك فيك، الموضوع، ان الديوانة حجزت سيارة أحد أبنائي قادمة من الجزائر وبها بضاعة مهربة.
– سارعت بالقول إني لا أعرف أحدا بالديوانة يمكن ان يتدخل في الأمر. وأقسمت له امعانا في إقناعه.
فسارع بالرد:
– لا حاجة لي بذلك، ولا من أجل ذلك جئتك.
– إذن حول ماذا؟
– عندي «أمانة» كمية من العجلات أود ايواءها لديك حتى تمر العاصفة، وقد يتعرض منزلي للتفتيش.
لم يفاجئني نشاط جاري في هذا القطاع،
فالتهريب وتبادل السلع بهذه المنطقة الحدودية هي مهنة يومية ككل المهن الشريفة، تشغل المئات، البضاعة المهربة معروضة على قارعة الطريق، تتصدى لها الحكومة أحيانا ويتورط فيها بعض أفرادها أحيانا اخرى، فكل ما في التهريب مغري من حيث تنوع البضاعة وتدني اسعارها، والمرابيح المضمونة والمجزية، والعقوبات الردعية مالية وغير سالبة للحرية. بل ان المهربين من علية القوم ومن اصحاب الحظوة.
فقدت الكلام لبرهة، وتعطّل تفكيري، وتوالت الأسئلة دون أجوبة. هل هذا وقته لاتورط في قضية إخفاء بضاعة مهربة إلى جانب ما أنا فيه، استحضرت كل الجهود التي بذلتها في تنظيف البيت من وثائق الملاحقة والاستعداد للغول القادم. تساءلت في قرارة نفسي عن إمكانية إعلامه بما أنا فيه، فقد يلتمس لي عذرا في صعوبة الاستجابة لطلبه.
مد يده يرتب على كتفي يستحثني على الجواب ولا ادري كيف أومأت له بالموافقة ليُحوّل بمساعدة زوجته وبناته، مع سكون حركة النهج من المارة وإرخاء الليل لا جنحته على المنازل، حمولة شاحنة كاملة من العجلات إلى الساحة الخلفية للمنزل. قبل المغادرة للعمل صباحا تفقدت البضاعة فاكتشف قفة من السعف مدسوسة بين العجلات تحتوي على عدد من القوارير الأنيقة، طويلة الأعناق، مُذهّبة الإغلاق، أعجمية اللغة، هربها جاري مع العجلات إلى منزلي دون أن يعلمني بها ولا بماهيتها. ادركتني زوجتي وانا أتأمل «الأمانة» كما يصر جاري على تسميتها، وهي في حيرة من أمرها، وطفقت تسائلني عن المصيبة التي وضعت فيها نفسي وهل تنقصنا مشاكل لتسمح للجار بتكديس حمولته المهربة عندنا. لم اجد من جواب غير القول زيد الستة على الستين، هي قضية هي اثنين.
اكتشاف المزيد من تدوينات
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.