الأربعاء , 28 أكتوبر 2020

وزيرة الثقافة “التّنويرية” والنّخب الوبائيّة

سليم حكيمي

بَدل أن تُسرع بترميم حائط آيل للسّقوط منذ سنوات بـ”المركز الوطني للخزف الفنّي” بساحة معقل الزعيم، هرولت الوزيرة الى تقييم ثقافة الناس، فانثالت عليها الردّود. أحمق الوزارات التي لازالت سادرة في غيّها، ولم تدرك ان جوهر الثورات رفع وصاية النّخب. فالمأساة مزدوجة في تصريحها: تبذير في زمن المطلوب حسن التدبير، وانفاق على السقوط الاخلاقي مستترين بضرورة الإعداد لرمضان. وعوض الإنفاق على ما يصلح للناس زمن ضيقهم وحاجتهم بإنتاج اعمال فنية تُعلي من قيم العائلة والجوار والإيثار والمواطنة والمُساكنة، تواصل وزارة الثقافة التي يُجمع اهل مكة فيها انها في قبضة “السّوكارجية والفرنكفونين”، حسب عبارة وزير ذاق بها مرّ العلقم، التهريج بإنتاج ما هو مفارق لثقافة المجتمع ولحظة أزمته العسيرة. ليكشف التصريح أيضا تخلّفها الإنساني. ورغم اعتذارها العلني الذي كشف الجزء العائم من رؤية النخبة لشعبها الذي تجلى فيه احتقارها له باعتباره من “العامّة” لا يفهم ما يفهمه “الأعيان” مثلها الذين يحفظون الفصل الاول من الدّستور على طريقة “سلمى اللُّومي”. ونسيت مثقفتنا أنّ أغْمار الناس قد لا يعرفون التفاصيل الفَغَنسيّة، ولكنهم لا يخطئون العناوين الكبرى. بل هم أقدر منها على تحديد الاولويات الوطنية.

وجه الفرق بين “الكورونا” و وأولاد مفيدة” ان الاولى تقتل الانسان، اما الثانية بإخراج “اولاد شْحيبر” يتقتل الجانب الرّمزي في المجتمع. العمل ليس الا عنوانا السقوط الاخلاقي وتدمير للاسرة التي يعتصم الناس حين الأزمات ويطلق الغرب عليها في هذه اللحظة “مِتراسا اخيرا” “dernier rempart”. لا مِرْية انّ في مجتمعنا مظاهر انحراف ليست بالهيّنة، ولكنها لا تعبر عن كلّ المجتمع ولا تمثّله، بينما وظيفة الفن المساهمة في معالجتها كما فعل الألمان حين انتجوا المسلسل البوليسي “Inspecteur Derric” الذي تقوم فلسفته على تفكيك الجريمة دون اللجوء إلى العنف. تونس ليست كلها بانْدية وسوكارجية وشْقوفات… رغم أن الوزارة تريده على تلك الشاكلة، وتنتصب بعدها لتذكيره بشواذه وتترك الأسوياء، فيصير الشاذ هو القاعدة، ويُحكم على المجتمع بأن لا يرى في أي عمل فني إلا وجهه القبيح. ما هو الأفق الذي بشر فن الوزارة ؟. لا شيء. ولكن ذريعة سدَنتها طبعا هي نسبة المشاهدة. لمن قصرت ذاكرته، نذكّره بأن الأعمال الجادة ايضا حظيت بنسبة مشاهدة استثنائية مثل “الدّوار” وروائع حسين المحنوش و”باب الحارة” و”قيامة ارطغرل”.. شدّت الانتباه وكان فيها مضمون قيمي. ولكن العُقم الفني والجدب النظري لنخبة الوزارة جعلها لا ترى رفع نسبة المشاهدة الا بصدمة المشاهد. يمكن للعمل الفني ان يشدك، ولكن واحد للقمّة وآخر الى الهاوية وسفح الغريزة. وحين تأتي لحظة نحتاج فيها الى الوعي، مثلما نعيش الآن، فلا نجد الا الغريزة مُخاطبا، فقد رُوي ان الأديب المصري الكبير عباس محمود العقاد تحدّاه الممثّل الهزلي “شُكوكو” بانّه لو نزل ميدان التحرير مع العقاد فسيجتمع الناس حوله ويتركون العقاد. فردّ عليه: “لو اصطحب معي راقصة فسوف يتركونك ويتكاثرون حولها”. ليدرك الجهلة أن الجماهيرية لا تمنح القيمة بل ما يمكث لنفع الناس في الأرض.

يزخر مجتمعنا بالمراة العفيفة والمربّين الفضلاء والاطبّاء وعمّال النظافة والشباب السوّي… ومن ربّى ابناءه بمال من معروف وجوهه، من طبقة وسطى تُسحق، ولكنها تدافع عن الناس، ولم تعبّر الأعمال الفنية عنه. مجتمعنا، وإِن تَشرْذَم به الحال، لم يُضع الناس فيه أصلهم، بل تتوالى أخبار التعاون والتآزر، فلحظات الجبر زمن الانكسار لن تنسى. والايثار قائم، ولسنا مطالبين بالحديث عن الأثرة والانانية حين ذكره. ولكن عليه ان يعود الى التضامن قيمة ثابتة وليست موسمية مقيتة. ولا بد لجزُره الانسانية ان تتقارب. ورغم التدمير الذي طال مقوماته الاخلاقية، لازال فيه من استعدادات تعاون عيدانا لم تجد من يعزف على أوتارها لحن الأخوة الوطنية، ويجدّد القيم العليا للمجتمع. سينفض الوطن يوما غبار الموت الذي اكتسح وجه الدنيا حينها تكون البلاد محتاجة لفنّ اكثر نبلا وثقافة أكثر جدية، وبمن يتصفّح بنفسه شؤون الناس. وان أرادت البلاد علوا جديدا، على الجميع الاقتناع بأن فلسفة الاجتماع القديمة انتهت وبان بوارها ووجبت ثورة ضد الثقافة التي انحرفت به. فكما الثورات تُنهي انظمة سياسية، على ازمات الأوبئة أن تنهي انظمة اخلاقية مهترئة، وكلاهما تغيير قواعد العمل البائسة. فالقيمة ما احتاجه الإنسان في لحظات الأزمات وليست المادة الا منتجا من منتجاتها. لن نستطيع العيش… كما كنّا، قَطْعا. الدول المحترمة تعرف كيف تتسامى وقت الأزمة فوق الاعتبارات السياسية، وتقدّم لشعوبها ما ينفعهم. يقول مفتي الموصل بالعراق، محمّد العبيدي: “الحكومة مرآة التشخّص للشعب، فإن لم يكن بينهما تماثل في الأخلاق أو العادات أو التقاليد فهل تستطيع أن تُمثّله على وجه ترتضيه؟”.

شاهد أيضاً

جريمةُ حَزّ رأس الأستاذ في فَرنسا : المُخابرات والإسلام قُربانا للانتخَابات ؟

سليم حكيمي  بعد الجريمة النكراء بقطع رأس الأستاذ، والتي تسببت في قلق عام للمسلمين وإحراج …

إلى ماكرون: أزمة الإِسلام أمْ فَرنسا الكَاثوليكيَّة ؟؟؟

سليم حكيمي  بعد مناصرته لـ “شارلي أيبدو” في نشر الرسوم المسيئة للرسول ثانية، غير مدرك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.