الجمعة , 18 سبتمبر 2020

أيّ بدائل لتونس ما بعد جائحة الكورونا ؟

مصدق الجليدي

سأتناول هذا الموضوع “الكبير” والاستراتيجي بشكل مختصر نوعا ما، وذلك في ثلاثة مجالات أساسية:

  1. في المجال الاقتصادي والاجتماعي.
  2. في المجال السياسي والثقافي.
  3. في المجال التربوي و العلمي.

أولا. في المجال الاقتصادي والاجتماعي:
لقد أثرت أزمة الكورونا بطبيعة الحال بشكل واضح على الطاقة الإنتاجية للبلاد، وارتفعت مقادير الإنفاق العام على حساب إنجاز بعض برامج قانون المالية الأخير، ولكن هنالك أمرين نرجو أن يخففا من وطأة الصعوبات المالية التي تواجهها وستواجهها البلاد، وأمر آخر على الدولة والقوى العاملة بالفكر والساعد العمل على توفيره.

فأما الأمران الأولان فهما نعمتان من الله أنعم الله بهما علينا، وهما:

1. الإنتاج الطاقي الجديد في حقل النوارة، والأرقام عن ذلك متوفرة ويمكن الوصول إليها بسهولة، رغم البدايات الصعبة. هذا الكسب الطاقي الجديد سيوفر ما بين 30 إلى 50 بالمائة من حاجة التونسيين إلى الغاز، وقدرا هاما من المداخيل، رغم تسوغ الشركة النمساوية OMV لمهمة الإنتاج، ولكن سيؤول لا محالة نصيب هام من عوائده إلى خزينة الدولة، حيث سيخفض من العجز الطاقي بنسبة 20%، ومن العجز التجاري بنسبة 7%. كل هذا يتطلب حوكمة رشيدة حتى لا يذهب مليم واحد هدرا سرقةً أو سوءَ تصرف. كما يجب أن تسهم هذه الثروة الجديدة في تنفيذ خيارات اجتماعية خدماتية وإنتاجية على نحو مباشر وغير مباشر، مثل فتح مشاريع للبنية التحتية، تتدارك بعض النقائص الفادحة التي كشفت عنها الأمطار السابقة مثلا، هذه السنة والتي قبلها. بما يقلص من حجم البطالة وينشط الحركة الصناعية والفلاحية والتجارية والسياحية، ويحفظ أرواح مستخدمي الطرقات الوعرة ويخفف من معاناة متساكني المدن الداخلية والأرياف. وكذلك دعم البنية التحتية الاستشفائية والمدرسية. تطبيقا لفصلين في الدستور: الفصل الثاني عشر الذي ينص على التمييز الإيجابي بين الجهات، والفصل الثالث عشر الذي ينص على ملكية الشعب لثرواته الطبيعية.

2. نزول الغيث النافع بكميات يمكن أن تنقذ صابة الحبوب والزيتون والتمور والثمار بوجه عام. ولعل كميات أخرى نازلة على أرضنا السخية إن شاء الله. وهذا يحمّل الدولة مسؤولية حسن التدبير في التعامل مع المحصول، بحمايته من الحرائق، وحمايته بعد الحصاد من التّلف، وتنشيط الصناعات التحويلية الحافظة لعديد المواد من الهدر والفساد، لأن العالم مقدم على حالة انغلاق قومي وانكفاء اقتصادي، يجعل من التوريد أمرا بالغ الصعوبة ومكلفا جدا في حال توفر كميات منه. ولذا لا يمكن التسامح بتاتا على هذا الصعيد في أي تهاون أو سوء تقدير. كما أن مسألة البذور على غاية من الأهمية، إذ أنها شرط من شروط تحقيق اكتفاءنا الغذائي واستكمال استقلالنا الفلاحي، خاصة في سياق التحول الجاري في مجال التجارة العالمية واشتداد النزعات القومية الانكفائية. فلا مناص من المحافظة على ما تبقى منها من بذور أصيلة ورثناها عن الأجداد، ومن جلب كلّ ما فقدناه منها وحفظه بصفة متجددة ومستمرّة.
كما يجب في نفس هذا السياق ترميم السدود القديمة وبناء سدود جديدة في مناطق الشمال وتثمين البحيرات الجبلية، من أجل حفظ الثروة المائية وحسن استثمارها. وهذا أمر له علاقة بالعنصر السابق، أي بتخصيص جزء من عوائد حقل النوارة لهذا الأمر.
ويمكن في الآن نفسه الانتفاع من بعض هذه السدود في إنتاج الطاقة الكهربائية.
فتكون دورة إنتاج وبعث مشاريع وإعادة إنتاج محكمة الحلقات. وهذا كله يتطلب رسم مخطط تنموي خماسي وعدم الاكتفاء بإعداد مشاريع مالية كل سنة “وقسمها”.

3. أما الأمر الثالث والذي يجب خلقه بالفكر والساعد، بعد أن أنعم الله علينا بثروة الطاقة وثروة الماء، فهو اعتماد الاقتصاد التضامني الذي يتوافق تماما مع الخيار السياسي الدستوري الذي هو الديمقراطية التشاركية. فالديمقراطية ليس لها فقط الوجه السياسي الشكلي، بل لها أيضا مضمون اجتماعي، وهو ليس مضمونا سلبيا، أي الاكتفاء بتوزيع الثروات الطبيعية على الشعب تكريسا لاقتصاد ريعي فاشل وعقيم، بل تتضمن الديمقراطية التشاركية اجتماعيا معنى الاقتصاد التضامني، حيث يشارك مواطنو المحليات والجهات بشكل نشط جماعي ومنظم في إنتاج الثروة وإعادة توزيعها. ويراعى في هذا الخصائص الطبيعية والبيئية لكل جهة. ولنا في مشروع جمنة لإنتاج التمور في الواحات السقوية خير مثال. يمكن في نفس هذا الاتجاه استصلاح آلاف الهكترات من الأراضي الدولية في الوسط وفي الجنوب، وتوزيعها على شركات أهلية تنشأ للغرض بعقود مع الدولة في إطار مقاربة الاقتصاد التضامني، لإنتاج الحبوب والزيتون والبقول والثمار والخضر، بغراسات وبذور أصيلة وغير عقيمة، دون أن ننسى تربية الماشية والدواجن بما يحقق اكتفاءنا الذاتي في الألبان واللحوم والبيض.
إلى جانب هذا يقع مساعدة كل المهندسين والتقنيين المتخرجين من الجامعة التونسية ومن المؤسسات التعليمية الخاصة على بعث مشاريع صغرى، بطاقة تشغيل محدودة لكل منها، ثلاثة أو خمسة شبان من المعطلين عن العمل، في مجالات إنتاج وخدمات تحتاجها البلاد جدا، مثل الصناعات الطبية وشبه الطبية، والتكنولوجيات الرقمية المتطورة، والطاقات البديلة والمتجددة وزراعة الباكورات وغيرها. كما لا ننسى تدريب فرق كثيرة من الشباب على وضعيات الدفاع المدني المختلفة. أي الاستعداد لحالات الرخاء والشدة معا. وهذا من أهم الدروس التي علمتنا إياه محنة الكورونا.

ثانيا. في المجال السياسي والثقافي:

لماذا ربطت بين هذين المجالين؟ لأني أعتقد أنه على العقليات السياسية أن تتغير. لقد أظهرت محنة الكورونا، كم هي بائسة هذه السجالات والصراعات والمناكفات والمزايدات السياسوية السخيفة ذات الخلفيات الإيديولوجية المفلسة في البلاتوات ومواقع التواصل الاجتماعي الافتراضي، وحتى في الجامعات، وما مثال ندوة جامعة منوبة في السنة الفارطة عنا ببعيد. لقد كشفت أزمة الكورونا كم هي عديمة الجدوى هذه المعارك الصبيانية لصغار النفوس، أمام المهمات الجسيمة المطلوبة لإنقاذ الأرواح صحيا واجتماعيا. لقد آن الأوان لتدشين ثورة ثقافية في عقول النخب الشابة الجديدة على الأقل، حتى لا ترث أسوأ ما حملته نخب الجيل الجامعي للسبعينات والثمانينات من عيوب.
هذه الثورة الثقافية يجب أن تمر عليها رياح نقدية ما بعد حداثية ورياح فنومنولوجية تأويلية ورياح منظومات أخلاقية منفتحة، ويكون بها لقاحات يسارية اجتماعية وروحانية متسامية وحوارية متسامحة، وإصلاحية تنويرية، وجمالية محررة لقوى النفس جميعها. أي في المحصلة بناء مشروع ثقافي اجتماعي تنصهر فيه أفضل ما جادت به تيارات الفكر الوطني والعالمي بما يخدم أهدافنا الاجتماعية ويعيد بناء شخصيتنا الحضارية من منظور وطني سيادي وحضاري مستقل وثقافي تعارفي.
وهذا يتطلب ثورة في الهندسة الثقافية في مختلف مكوناتها وأبعادها التربوية والأدبية والجمالية والإعلامية والدينية التنويرية وغيرها.
إلى جانب هذا المكوّن الثقافي في تطوير الذهنية والحياة السياسية بالبلاد من أجل تفريغ الطاقات لما ينفع المجتمع والكف عن التهارج السخيف، يجب استكمال رسم ملامح المشهد السياسي كما نص عليه الدستور، بمواصلة وضع أسس الديمقراطية التشاركية والمحلية، وتقسيم البلاد إلى أقاليم بخلفية تنموية يبرز فيها مبدأ التمييز الإيجابي بين الجهات، حتى يكون كل التونسيين في وضع متقارب من حيث القدرة على مواجهة أعباء الحياة والصحة والتعليم والتنقل في الظروف العادية وفي ظروف الأزمات المناخية والصحية والأمنية الطارئة، مع التشديد على تفعيل آليات الحوكمة الرشيدة ومحاربة الفساد، الأمر الذي هو في غاية الأهمية في الأوضاع العادية ويصبح قضية حيوية قصوى في حالات شح الموارد وارتفاع النفقات العامة في حالات الأزمات.

ثالثا. في المجال التربوي والعلمي:

1. في المجال التربوي:
يملي علينا درس الكورونا إجراء مراجعات والقيام باستعدادات تربوية وتعليمية في المستويات الثلاث، وسألخص هنا ما جاء في مقال لي مطول عن هذا الموضوع، في النقاط الآتية:

أ‌. في مستوى منظومة القيم التي نربي عليها النشء:

حيث أثبت صراع الأمم مع الكورونا أهمية الشخصية الثقافية القاعدية للشعب بما تتضمنه من عناصر مقاومة نفسية وروحية ومن منظومات قيم إيجابية في مواجهة خطر الوباء. قيم الحذر الطبي مثل الانضباط والطهارة والتفكير في سلامة الجميع، وقيم التضامن الاجتماعي والتآزر والتكافل بين الأسر أمام الصعوبات المعيشية التي يفرضها الحجر الصحي، وقيم التطوع لخدمة الصالح العام التي تجند لها شباب المجتمع المدني. هذه القيم كلها يجب تعزيزها في منظومتنا التربوية وتأصيلها في ثقافتنا الوطنية التي تسعفنا بالانتماء لدين ذي نزعة أخلاقية سامية وذي أفق كوني، وهو الدين الإسلامي. فضلا عن شيم العروبة الأصيلة من كرم ومروءة ونجدة وشرف وشهامة التي جاء الدين الحنيف ليتممها مكارمَ أخلاقٍ.

ب. في مستوى الكفايات التي نساعد المتعلمين على اكتسابها من خلال البيداغوجيات البنائية والنشيطة، كبيداغوجيا المشروع والبيداغوجيا المؤسسية. كفايات التفكير العقلاني وعدم الاستسلام للعوائق الثقافية المانعة من الفهم العلمي للظواهر الطبيعية وكيفية التعامل معها. وكفايات حل المشاكل الطارئة وتطوير قدرات منهجية وما ورامعرفية لديهم تمكنهم من القدرة على التخطيط والاستشراف والتقييم الذاتي والتقييم المتبادل من أجل تطوير العمل وإكسابه أكثر نجاعة وفاعلية، وكفايات استخدام التكنولوجيا الرقمية المتطورة وإنتاج البرمجيات وتطبيقاتها في مختلف المجالات الصناعية والطبية والتعليمية والأمنية والمدنية وغيرها… ولا ننسى كذلك كفايات قيادة المشاريع والمؤسسات وقيادة دواليب الدولة نفسها.
بطبيعة الحال هنالك أيضا ما يسمى ب” التربيات على…”: التربية على القيم الأخلاقية والمواطنية بالممارسة كما في البيداغوجيا المؤسسية، والتربية على الوقاية من الأمراض المعدية…الخ. وكل هذا يتطلب القيام بثورة منهاجية كبرى والتخلي عن مقررات دراسية عفا عليها الزمن.

ج. في المستوى التربوي المؤسسي:

  • تأهيل المدرسين للتعامل مع الحالات الاستثنائية للتعليم عن بعد بالوسائط الرقمية.
  • تأهيل الأعوان والعملة لخلق بيئة صحية بصفة شاملة ودائمة.

2. في المجال العلمي:
لقد كشفت أزمة الكورونا عن مقدار الحاجة للعلم ولكشوفاته وللتقنيات التطبيقية المنسلة منه. في مستوى العلوم الطبية وعلوم الكيمياء العضوية، وعلوم المناعة والوقاية من الأمراض المعدية، والتكنولوجيات الرقمية والمعلوماتية الصناعية والروبوتيزم، والسيبارنيطيقا والصيدلة وعلوم التغذية وعلوم الصحة النفسية والتنوير الديني وغيرها.
ولذا على أمتنا وشعبنا أن يكونا في مستوى هذا التحدي وأن يحرصا على كسب هذا الرهان المعرفي والعلمي والتكنولوجي، وهو ما يتطلب القطع مع سياسة التهميش التي يعرفها قطاع البحث العلمي في مستوى النصوص التشريعية والمحفزات المادية والظروف اللوجستية للعمل وإجراء التجارب وتوثيقها وتحليلها. وهو ما يتطلب مبادرات تشريعية والرفع الجدي في ميزانية البحث العلمي وتحفيز الباحثين على الإبداع والابتكار واحترام مبدإ الحريات الأكاديمية، وعدم عرقلة مبادرات الابتكار والتصنيع المحلي للروبوات والسيارات والطائرات وعديد الأجهزة الالكترونية الدقيقة. فكلها نحتاجها في معاركنا الوطنية المدنية.

هذه إذن خطوط عريضة لبدائل اقتصادية وتنموية واجتماعية وثقافية وسياسية وتربوية وعلمية نقترحها على مجموعتنا الوطنية، منتظرين مزيد تعميقها وإثرائها وتفصيلها في ورشات تفكير جماعية قادمة.

شاهد أيضاً

مدارسنا وعيون الدولة الضيقة

مصدق الجليدي  لننقذ مدارسنا وأبناءنا: الوضعية المادية للمؤسسات التربوية (الحماية بالسياج وبالشبابيك الحديدية، دورات المياه، …

تركيا في مواجهة الناتو من أجل حقوقها الوطنية التاريخية

مصدق الجليدي  من أجل حقوقها التاريخية الوطنية، تركيا في مواجهة حلف الناتو في اليونان: طائرات …