الإثنين , 26 أكتوبر 2020

نادية فارس وكذبتها..

محمد ضيف الله

كذبة أفريل، يقع تصنيعها في اليوم الأول من الشهر الرابع، في غفلة عن الناس الذين لم ينتبهوا إلى أنه قد دخل، وقد لا تتجاوز متعتها -إذا حصلت- صباح اليوم الأول، ثم تصبح مبتذلة، وعندما نمر إلى اليوم الثالث منه، فلا نسميها كذبة أفريل. وفي نظري هنا هذه الكذبة، من أحسن ما يدل على ما في البشر من الطيبة والود فضلا عن الدعابة، عندما يكون الهدف منها فقط أن يجبروك على البسمة حتى ولو كان ذلك لثانية واحدة على طول عام كامل. هي كذبة جميلة ودودة، تفاجئك في العادة حيث أنت، ولكني لم أعثر لها في موعدها على أثر، ربما بسبب الكورونا كما يظهر، أو ربما خشي الناس من مشروع الكذب لكورشيد، فتحفزوا لمواجهته، ولم يجدوا الوقت لإنتاج ما يليق أو ما يستحق لقب كذبة أفريل.

هذه الكذبة، انتظرتها أو بالأحرى تحفزت لها حتى لا تفاجئني، ومر صباح اليوم الأول من أفريل ومساؤه والذي يليه، إلا أنها لم تنزل. ومع ذلك لم أيأس، ربما خجلت من كذبة جميلة سابقة غطت عليها حول رضوان كمون، وهي كذبة لو وزعت على العام كله، لكانت كافية. يكفينا إذن هذه السنة رضوان كمون. هكذا كان شعوري قبل أن أعثر على كذبة في المستوى.

نعم وجدتها. وجدتها في صفحة نادية فارس على الفيسبوك. ولمن لا يعرفها، فنادية فارس هي أروع صحفية تونسية، روحا وخيالا وذكاء وهبالا أيضا. ومن لا يتابعها أو يقرأ لها، أكيد تنقصه أشياء عديدة. كتبت نادية تدوينة يجدر في تقديري بأن تدرس في الإعلام أو في السياسة، بأقل ما يمكن من كلمات، خبر وتعليق في نفس الوقت، درس واستشارة في السياسة. والأكيد أن القراء أو البعض منهم عندما قرؤوا ما كتبت نادية فارس تبادر إلى أذهانهم مثل الذي تبادر إلى ذهني بأنها تورد خبرا لا غير، أنا بنفسي استنجدت بغوغل للبحث عن أصول ما أوردته. ثم عدت إلى تدوينتها التي أكملتها بفرنسية جنوبية، أكاد أسمعها تخرج من بين شفتيها: “c’est une blague bien sûr”. الآن فهمت المسألة في مستوى العمق الذي أرادت هي أن تبلغه، زائد هي لم تقل إنها: “poisson d’avril”، كذبة أفريل بل قالت مزحة أو نكتة. وهذا لا ينزل من روعة ما اختلقته.

نسيت أن أورد نكتة نادية والتي صاغتها في شكل خبر / نيوز بأتم معنى الكلمة، وأكتفي منه بما ورد في الجملة الأولى “السعودية تمنح تونس ملياريْ دولار”، والفاهم يفهم بطبيعة الحال أن الأمر يتعلق بمجابهة الكورونا، وهذا يندرج طبقا لما كانت ألسنة المعلقين من فرسان الكلام الخشبي يلهجون به من تمجيد لحسنات ومحاسن خادم الحرمين الشريفين الملك ابن الملك والد الملك، في نطاق التضامن والأخوة العربية الإسلامية الخ الخ الخ. إلا أن هؤلاء وأولئك جميعا تغيبوا هذه المرة ولم تجد أكاذيبهم مجالا للتسويق، ولا كلام عن المليارين من العملة الخضراء التي أذن بها خادم الحرمين الشريفين.

جاء هذه الخبر / الفيك نيوز عندي كأحسن تعليق على المكالمة التي أجراها رئيس الجمهورية قيس سعيد مع الملك سلمان بن عبد العزيز. رئيسنا هو من بادر بالمهاتفة، وقد اكتفى فيها بالإشارة إلى المبادرة التي تقدم بها إلى الأمم المتحدة لمواجهة الوضع المستجد، وأقصى ما فهمه الملك جعله يتكلم عن قمة العشرين حول نفس الموضوع والتي يرأسها هو نفسه. كانت عنده هذه بتلك. وما كان للرئيس أن يذكّره بالجائحة التي تعرفها بلادنا، ولو فعل لكان ذلك على حساب أشياء أهم، الأنفة والكرامة والعزة. الرئيس لم يذكر “أخاه” (على لغة الكذب الصحفي) بأن تونس، ظلت لقرون توجه سنويا “الصرة” إلى فقراء الحجاز، ولم تمنعها عن ذلك المساغب والمجاعات والأوبئة والطواعين التي مر بها أجدادنا وأجدادهم وصولا على الأقل إلى العهد الحفصي، ولم تنقطع إلا في عام 1957، نعم بعد ربع قرن من اكتشاف واستغلال البترول في جزيرة العرب. ولن أفسر كلمة الصرة حتى لا أتبع -بعد كل هذه القرون- ما أرسله أجدادنا بالمنّ والأذى.

الرئيس لم يذكّر السعودي بما وهب ملك السعودية الحالي نفسه إلى رئيس أمريكا الحالي نفسه، ما تداولته وسائل الإعلام في العالم أجمع، 450 مليار دولار يا نادية، أي ما يساوي المبلغ الذي ذكرته أنت 225 مرة. ومبلغك يا نادية يساوي بالضبط مبلغ رشوة واحدة تلقاها أمير سعودي واحد هو بندر بن سلطان في صفقة واحدة تسمى اليمامة. وهذا خبر محقق بالوثائق، وليس من نوع خبرك يا نادية.

نحن وهم يا نادية لا ننتمي إلى نفس الزمان ولا نفس الجغرافيا، ولا نملك نفس القيم، ولا نفس الهدف، إننا لا نشترك معهم في شيء مطلقا، ولا حتى في العروبة التي نعتز بها. إنما الكثير من الأوهام ستعصفت بها الكورونا، وقد بدأت تتهاوى منذ الآن.

شاهد أيضاً

مرض السلطة..

محمد ضيف الله  لا تظنوه بسيطا. وإنما هو قاتل أحيانا، بيار بريغفوا (Pierre Bérégovoy)، لمن …

الحياة على إيقاع الشعر

محمد ضيف الله  أحسن ما كتبت.. مئات من النصوص كتبتها منذ دخلت الفيسبوك، ولكنه يبقى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.