عادل بن عبد الله
سأحاول في هذا النص إبداء بعض الملاحظات الأولية التي يربط بينها محاولة البحث عن “وضوح” مفهومي يتعلّق بأحد المصطلحات المتداولة بصورة تغلب عليها العفوية وعدم التأصيل داخل حواراتنا في العالمين الحقيقي والافتراضي: من هو “اليساري الانتهازي”؟
أعتبر يساريا انتهازيا كل من وضع ترسانته المفهومية وشبكاته العلائقية ورصيده النضالي في خدمة التجمع بعد 1988، واليساري الانتهازي هو جزء من العائلة اليسارية والتقدمية ولكنه أتعس ما فيها (فهناك يساري وطني متحزب وغير متحزب لا علاقة له بهذا الاتجاه “التحريفي” الخادم للبرجوازية اللاوطنية).
وقد علّل هؤلاء التحاقهم بالتجمع (أو خدمتهم لاستراتيجيته دون تحزّب، أي من مواقع التلفظ “المدنيّة” الملحقة وظيفيا بالمركز “التجمعي” المهيمن على مراقبة “المعنى الصحيح” ومسالك انتشاره الجماعية) بأنه يُمثل تناقضا هامشيا (يبقى في مستوى التناقض بين المكوّن الحداثي “التقدمي” والمكوّن الحداثي البرجوازي “الرجعي”، بينما التناقض الأساسي هو مع “الرجعية الدينية” ممثلة في “الاتجاه الإسلامي (النهضة) التي ينبغي التحالف مع التجمع ضدّها وإرجاء الصراع الطبقي ضده الى حين استكمال هذه المهمة).
أمّا رموزه فيمكن البحث عنهم في اللجنة المركزية للتجمع ومركزية الاتحاد وقائمة وزراء المخلوع منذ 1988 الى حين حدوث الثورة، بالإضافة إلى الكثير من الرموز “الثقافية” التي سيطرت على المشهد الثقافي والإعلامي زمن بن علي والاحتكار التجمعي للمجال العام.
وأمّا أن تكون الانتهازية سمة مرتبطة بأغلب الفاعلين السياسيين -قبل 14 جانفي وبعده- فهذا أمر لا يمكن إنكاره، ولكن انتهازية اليسار كانت أكثر كلفة على الشعب قبل الثورة -بحكم ارتباطه بمنظومة الحكم- وبعد الثورة -بحكم مواقفه اللاوظيفية من جهة استحقاقات الثورة ومسار الانتقال الديمقراطي-.
ولعلّ من أهمّ الملاحظات “الوصفية” التي لا يجب غمطها حقها في التحليل وفي محاولة الفهم والتفسير لسياقنا الانتقالي الحالي، تلك الملاحظة المتعلّقة بـ “التكرر” العبثي لاستراتيجيات بعض الرموز اليسارية والتقدمية (الطيب البكوش ومحسن مرزوق والازهر العكرمي وغيرهم) الذين يُمثّلون النواة الصلبة في التيار “النيو-تجمعي” (نداء تونس) بعد أن كانت تلك النواة في التجمع الأوّل هي النواة الدستورية التي عملت على جذب “العقول” التجمعية ضمن “كتلة تاريخية” حداثية ما بعد إيديولوجية أساسها الدفاع عن “المشروع المجتمعي” التونسي في مواجهة الأطروحات الإسلامية…
ولكنّ ذلك لن يكون إلا لتحقيق نفس الغاية “التجمعية” الأصلية، أي محاربة الرجعية الدينية (التي توسّعت في المقاربة “الحداثية” لتشمل السلفية وحزب التحرير) دون أي اهتمام بالتناقض “الجوهري” بين أطروحات هذا الحزب الليبرالي والأطروحات الماركسية والتقدمية عموما، ودون أي تقدير للدور المركزي الذي كان لزعيمه الباجي قائد السبسي في منظومة الاستبداد منذ قيام المركّب المالي-الأمني-الجهوي الحاكم بعد الاستقلال الصوري عن فرنسا.
محصول القول إن اليساري الانتهازي هو ذاك الذي يقارب الصراع من منظور “ثقافوي” “culturaliste” يُقدّم التناقضات الثقافية-القيمية (مع الإسلاميين) على التناقضات الاقتصادية (مع التجمع ووريثه نداء تونس)، بحيث تنحصر اليسارية والتقدمية في مستوى “التمثلات والقيم الإيديولوجية” المناقضة للتمثلات الدينية دون غيرها من الإيديولوجيات الليبرالية اللاوطنية التي ظهر نداء تونس أساسا لحفظ مصالحها “الاقتصادية” ورساميلها المادية والرمزية.
ورغم أنّ الأحزاب “اليسارية” تتخفف الواحد تلو الآخر من “اليسارية” والشيوعية والاشتراكية في أسمائها، فإنها لم تفعل ذلك نتيجة مراجعة فكرية، بل نتيجة انتهازية انتخابية -أو براغماتية سياسية- فرضها عليها “الزمن الثقافي الإسلامي” (بحكم كون الإسلام هو مرجع المعنى وضامنته الأساسية في هذا السياق السوسيوثقافي المعولم). انّ اليسار لم يجد له من نقيض في هذا السياق الإسلامي (بحكم ثقل المرجعية الإيديولوجية من جهة أولى، وبحكم الرغبة في منافسة “الخطاب الكبير” من جهة ثانية) بينما دفع بالتناقض مع الرأسمال اللاوطني (الليبرالي البرجوازي) الى خلفية المشهد… وتلك معضلة نظرية وسياسية يجب تدبرها جيدا.
قد يعترض علينا معترض بأنّ ما نسمّيه هنا “اليسار الانتهازي” لا يُمثّل اليسار ولا علاقة له به إلا من جهة الدعوى. ولكننا لو طبقنا هذه القاعدة فإننا سنجد انفسنا دائما أمام خطاب أصلي “متخيّل” (يُفترض فيه الصحة والمثالية والمبدئية المطلقة) وتجسيدات منحرفة عنه، وهي تجسيدات لا يمكن الاحتجاج بها على بطلان الأصل. إنه منطق أثير عند كل دوغمائي يدّعي مطابقة خطابه لخطاب البدايات المؤسّس للإيديولوجيا أو للمذهب أو للديانة، وهو منطق يجد فيه الإسلاميون أيضا ما يسرّهم (يمكن دائما التبري من اي خطاب او عل بدعوى أنه لا يمثل”جوهر” الإسلام وروحه “السمحة”)…
وبتتبع مواقف الكثير من اليساريين من قيس سعيد، لا يبدو أنّ اليسار في وارد تحمل مسؤولياته التاريخية (مثل الإسلاميين تماما) وتغيير سياساته وأطروحاته “المدرسية”، رغم أن نتائج الانتخابات قد جعلته -في أحسن حالاته- صوتا صارخا في البريّة مثل يحيى عليه السلام، وفي أتعسها مجرد بوق دعاية للمافيوزي نبيل القروي… كما كان “برهان بسيس” و”سمير العبيدي” وغيرهما، مجرّد آلات دعائية لمنظومة الاستبداد “البرجوازية” على عهد المخلوع.
اكتشاف المزيد من تدوينات
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
تدوينات لحرية الرأي وثقافة الحوار
