أبو يعرب المرزوقي
لما أنظر في قائمة أسماء المترشحين للرئاسة وملامحهم وما أعلمه من سلوكياتهم أستطيع أن أقول إن من يدعون الترشح باسم قيم الثورة كلهم كاذبون فضلا عمن يزعمون الدفاع عن الحرية والكرامة والديموقراطية واستقرار تونس وتنيمة شروط مناعتها.
فهم يعلمون علم اليقين أن تفرقهم دليل على رهانهم الحقيقي الذي سيكون أهم العوامل التي ستسهم في انتصار الثورة المضادة: إنهم خدم لها وبوعي.
لو كانوا حقا مؤمنين بالثورة وبقيمها وساعين للديموقراطية والمناعة الوطنية لاتفقوا على مرشحين اثنين لا أكثر يقدرون أن لهما حظوظا معقولة ومتقاربة للنجاح في الدورة الأولى دون أن نعلم على وجه الدقة أيهما من سيمر للثانية ولأجمعوا على التصويت لمن يبقى منهما في الدورة الثانية وهو الشرط الوحيد لهزيمة الثورة المضادة.
يعلمون ألا أحد منهم له أدنى حظ في النجاح إذا بقوا مفتتين كما هم حاليا. ولا أتكلم على الفسدة والمافيات والمهازل التي تترشح مع العلم أنها لن تتجاوز صفر فاصل وخاصة من لا يمكن أن يعول عليهم “المسؤول الكبير” الذي يستعملهم ليخفي لعبته ويمرر “جوكاره”. أنا أعني بالتدقيق الخمسة الذين يباهون بالديموقراطية وثورية:
- النهضة أو ما بقي فيها من إسلامي.
- والتيار وما بقي في ديموقراطية.
- والحراك وما بقي فيه من مواطنية.
- والجبهة وما بقي فيها من يسارية.
- وبعض المستقلين وما بقي فيهم من استقلالية.
فما يبدو في خطابهم من حرص على خدمة الوطن والثورة والديموقراطية والإسلام واليسارية يكذبه التنافس المقيت على شيء الكل يعلم أنه ليس في متناول أي منهم اللهم إلا إذا كانوا “غفاصة” أي لا يفهمون شيئا في ميول شعبهم الذي لا يمكن أن يستجدهم وهو يلعم أنهم لا يتسابقون في الخيراب بل يتنافسون عليها كأصول تجارية.
واللغز المحير هو أنهم جميعا يتصورون أنهم ولدوا زعماء وأهلا للرئاسة في حين لا أحد منهم مارس المسؤولية في عمل سياسي ذي بال حتى تسيير بلدية. وكلهم لما تراهم منتفخي الأوداع تظنهم زعماء دول ذات سيادة وهم يستعدون لكرسي في محمية فرنسية لا سيادة لها حتى على لسانها.
فتفهم أنهم مصابون بداء الزعامة التي هي أكبر أمراض العرب من المحيط إلى الخليج: فكلهم يرى في نفسه أهلية القيادة. ولما كنت أعرف الكثير منهم فإني أستطيع أن أجزم أن الأفضل منهم لا يستطيع أن يسير قرية وليس بلدا كاملا عندما يجد الجد ويصبح عليه أن يقف موقف الرجال فتجده من أول الهاربين. ويكفي أن ترى من شارك منهم في الدورتين النيابيتين.
فمن ليس بعد مراهقا من جل جماعة اليسار والقوميين فهو انتهازي وخاصة المنشقين على الاحزاب التي تكونت بمناسبة الانتخابات حتى صارت النيابة بضاعة تباع في سوق النخاسين وأول من اقترع هذه البدعة صاروا يعتبرون زعيما كبيرا يكيلون له المديح في حين أنه هو الذي أنهى مهابة كل المؤسسات وأولها الرئاسة التي جعل بلاطها ملاذا لحثالة من نخب تونس وأعلامييها.
أما الحثالة المافياوية من جنس من لم تسمع ببورقيبة طيلة حبسه 13 سنة والتي أصبحت تدعي أنها بورقيبية مثلها مثل السبسي قبلها الذي لم يرزه خلالها ولم يحضر حتى جنازته وكل “الزعماء” الذين يدعون البورقيبية كانوا خونة للرجل في عملهم مع ابن علي واليوم يدعون تمثيل فكره حتى صبابة ابن علي من الأحزاب اليسارية ومن المليشيات النقابية.
كل ذلك جعلني أعاف السياسة والسياسيين الذين هم بصدد اغراق البلد وقد يدفعون الشعب دفعا لأن يطالب مثل بعض عملاء ابن علي وخادمات الحجامة بالبيان رقم 1. ما رأيت في حياتي نخبة بهذه الضحالة: فالسياسة صارت لعب مراهقين وليست استراتيجية لحل مشكلتين: الرعاية للتحرر من التسول والحماية لاسترداد السيادة.
فلا يوجد متسول يحكم نفسه. ولا يوجد أعزل يستطيع حماية نفسه. تونس ما تزال مستعمرة فرنسية اقتصاديا وثقافيا ومن ثم سياسيا وكل المترشحين فرحين بهذه الوضعية وينتظرون تزكية المقيم العام الاقرع أو ما يمكن أن يكون أقوى منه أعني سفير أمريكا ونواب اسرائيل في حكومة تونس وبين رجال أعمالها.
فإذا كان ذلك كله لا يستاهل أن يتحدوا من أجله فهم ليسوا سياسيين بل “أمراء حرب سياسية” تماما كأمراء الحرب الذين يدعون مقاومة الأعداء وهم من أدوات مخابراتهم. والسياسة مقاومة هؤلاء الأعداء وما يتسببون فيه من الأعداء الأشرس أي الفقر والمرض والتبعية والنذالة المافياوية التي هي سرطان الأنظمة العربية. كفى كذبا.
لذلك فإني اعتبر أنه إذا نجح مافيوزي أو معاد للثورة وللديمقراطية فالمسؤول هم هؤلاء الذين شتتوا القوى السياسية التي كان يمكن أن تحصل على شروط مواصلة المشوار في الانتقال الديموقراطي بمجرد التنازل لبعضهم البعض بدءا بتخلي من جربوا حظهم ولم يحققوا نتائج يمكن أن تشجع الشعب للتصويت لهم. تكرار الفشل غباء.
لكنهم بدلا من ذلك يتسابقون مع العلم المؤكد حتى بالنسبة لمن ليس له خبرة سياسية مثلي أنه لا أحد منهم يمكن أن ينجح إذا ظلوا متفرقة صفوفهم لكأنهم في سباق للحصول على كرسي مستحيل وإذا حصل فلا فائدة منه لأن القوى المفتتة لا تجعله ذا سلطة تؤثر في ما غرقنا فيه من “ميلشة ومفوزة” للمجال السياسي منذ 60 سنة.
ولست غافلا عن أن هذه المحاولة قد تجعل البعض يظنني أعمم على الجميع فتقضي على ما بقي لي من أصدقاء بين ساسة البلد وهم قلة يعدون على أصابع اليد الواحدة. لكن القساوة في الحكم لا تعمم بل هي تستثني من قد تكون شكاتهم مثلي أو أكثر إذ لا سلطان لهم على ما يجري لكونهم من أفاضل الساسة وقد يكون حكمهم الصامت أشد من حكمي الناطق بخصوص ما يغلب على الساحة.
ولا بد من محاولة ولو سريعة لتقديم فرضية حول تكوينية هذه السلوك الذي حول الساسة إلى “أمراء حرب” سياسية بخلاف ما عليه الأمر في كل بلاد العالم الذي له نخبة سياسية بحق تخضع الخلافات السياسية إلى الاستراتيجيات التي تجعل الدولة تؤدي وظيفتها أعني الرعاية والحماية وهما اللتان تحددان حدود الاختلاف وشروط الائتلاف المحافظ على شروط تحقيقهما.
فإذا بحثت عن مصدر هذه العاهة التي أصابت ما يسمى بالنخبة السياسية في تونس فحولتهم إلى “أمراء حرب سياسية” متى بدأت حقا ومن شجعها وجدت الأمر متعلقا بظاهرتين بدأتا منذ الانشقاق الذي حصل في الحركة الوطنية. فبورقيبة وحزبه الدستوري الجديد “انتصر” على الثعالبي والحزب القديم بأداتين:
- مساعدة الاستعمار الفرنسي ضد العروبة والإسلام.
- والدوكارات و”الخلايق” ضد المشائخ والنخبة التقليدية.
ولـما حدث ذلك لم أكن موجودا. لكني عشت نظيرتها بين البورقيبية واليوسفية لأن أسرتي كانت من ضحايا هذا الصراع إذ تمت الوشاية بوالدي رحمه الله بأنه من اليوسفية فـحوصر بيتنا مدة ثلاثة أيام من الجندرمة -الجارد موبيل- بتهمة تخزين السلاح ولم يكن لدينا إلا “مقرون” أي سلاح مدني لحماية انعامنا بسبب كثرة السرقات التي تشبه ما عاد الآن.
وأشهد أني رأيت بأم عيني وأنا شاب صغير شاحنات الجيس الفرنسي تنقل “باندية” لشق الحزب التابع لبورقيبة يفتشون عن المنتسبين إلى شق الحزب التابع لابن يوسف وسمعنا أن بعضهم قطعوا عضوه التناسلي وبعضهم عذبوه إلخ.. وقد تكرر ذلك مع الإسلاميين بالنوع الثاني من الدوكارات ومليشيات الحزب وبنفس الأسلوب.
ومن جمعهم السبسي تحت اسم جبهة الانقاذ هم من هذا النوع للإطاحة بالترويكا مدعيا تحقيق التوازن. ولم يقل التوازن مع من؟ فالترويكا بخلاف ما يتوهمون لم تكن خاضعة للنهضة بل كانت تقاوم ما بدأ يدب فيها من تسلط قيادي أضر بالنهضة أكثر مما أضر بالحزبين الآخرين. لكن سلوك قيادتها قصير النظر هو والمتعجل في الاستحواذ على سلطة وهمية وفوقية أدى إلى خلافات هي مصدر التفتت الذي يملأ الساحة الآن وقد تكون النهضة آخر ضحاياه.
وبذلك يتبين من المسؤول الأول والأخير على ما يسيطر على الساحة من التفتت والتشتت: إنه فرعا الحزب الأول في تونس اللذان عملا بعكس ما كان ينبغي أن يفعلاه بعد الثورة أي أن يتصالحا من أ جل مستقبل تونس والثورة. فهذا “الروش” المحموم على تكوين “الأصول التجارية” لأمراء الحرب السياسية أو ما يسمونه أحزاب وجمعيات مدنية حول السياسة لغطاء مافيات الاقتصاد الموازي في المخدرات والمسكرات والملهيات للجاه والإثراء السريع وكان ذلك متوقعا ولأجل منعه دعوت إلى وحدة البورقيبية والثعالبية جدار صد لما ورثناه من تعفن طيلة سنوات الاستقلال الخدعة.
وهذا الداء هو نفسه بدأت أعراضه تتجلى في النهضة نفسها لأن الكثير ممن لهم هذه الخاصيات ظنها الجواد الرابع في السباق المزعوم ديموقراطيا بسبب الاستعمال الانتهازي المتبادل. وأصبحت القيادات تخادع الشعب بدعوى الانفتاح المضاعف على “الكفاءة”المزعومة فكرية والكفاء المزعومة فنية بالسفورين:
- سفور التطبيع مع الصهيونية مثل كل العربان.
- وسفور التطبيع مع الخروج عن العادات التقليدية.
وهكذا اختلط الحابل بالنابل أو لنقل إن الجامع بين الانفتاحين على “الخلايق” و”الصبابة” لم يعد مقصورا على ما فعله السبسي تقليدا للنهج البورقيبي بل إن النهضة نفسها “تبرقبت” وبدأت تنافس السبسي. والوسيط في البرقبة أو في “صعلكة السياسة” هو مافية الاتحاد العام الذي لم يعد حشاديا منذ معركة اليوسفية واقتسم السلطة مع الحزب الحاكم ثم هو صار يسعى لأن يستفرد بها بمحرك داخلي هو نفس المافيات اليسارية والقومية وأي نوع من المافيات التي يمكن تصورها والتي كانت في آن شاغلة للحزب والاتحاد أداتي الحكم منذ بداية العهد البورقيبي إلى اليوم.
فما نراه في تعدد الأحزاب بالاسم هو تعدد المليشيات التي تمولها المافيات بعد أن ذهبت المافية الكبيرة التي كان يتحكم فيها ابن على وكانت تحتكم إليه ليقسم بينها غنيمة الحكم العميل الذي أبقى على سلطة فرنسا على اقتصادها وثقافتها وسياستها. والثورة اضفت الشرعية ذلك كله باسم الديموقراطية وبخدعة “الأحزاب” “والجمعيات” التي تمولها المافيات المحلية والمخابرات الأحنبية.
اكتشاف المزيد من تدوينات
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.