عبد السلام الككلي
أهدي هذا النص الى الحقوقي العياشي الهمامي تقديرا لنضاله من اجل عالم أكثر عدلا واكثر انسانية
يتعرّض الحقوقي العياشي الهمامي الى حملة قوامها تصريحات مخزية وحملة من الكذب والتشويه تستهدف مسيرته النضالية والحقوقية، وتشكك فيها في سعي محموم من بعض الأطراف السياسية لإقصائه من تركيبة المحكمة الدستورية لحسابات ضيقة، وهي حملة انخرطت فيها شخصيات سياسية وإعلامية وصفحات عبر الشبكات الاجتماعية فبماذا يتهمه خصومه ؟
عندما يصبح المناضل الحقوقي داعما للإرهاب لدى من يجهلون فكره !
بعض خصوم الاستاذ العياشي الهمامي الجاهلين بلا شك بمواقفه الواضحة والصارمة يتهمونه ظلما وبهتانا باتخاذ مواقف مثيرة للجدل، و“داعمة للإرهاب“، على حدّ وصفهم (انظر الشروق العربي بتاريخ 4 جويلية 2019)..
لقد كان العياشي الهمامي من خلال كثير من مواقفه وتصريحاته يرى مثل أي رجل متشبع بالحق الإنساني ومدافع عنه في كل المحطات التي عرفها في مسيرته النضالية قبل الثورة وبعدها أن الإرهاب جريمة فظيعة لا يُمكن أبدا التسامح معها أو تبريرها. اذ يشكل الإرهاب تهديدا لحقوق الإنسان بدءا من أوكدها وهو الحق في الحياة . إن مكافحة الإرهاب من المسؤوليات الجوهرية للحكومة، وعليها لذلك اتخاذ جميع الخطوات المتاحة للكشف عن هوية المتورطين وتقديمهم إلى العدالة. وإذا أُدين المتهمون بالإرهاب بشكل عادل، وجب عقابهم بالصرامة التي تناسب أفعالهم.
هذا هو خطاب العياشي الهمامي غير انه مقتنع تماما انه على الحكومة أيضا احترام حقوق الإنسان اذ يرى اننا في صراع متعدد الجوانب اليوم في تونس و من أوجه هذا الصراع دفاع البعض عن تعذيب المواطنين او تبريرهم له بتعلة أن الارهابيين ليسوا مواطنين وبالتالي فان حقوق الانسان لا تنطبق عليهم و أن حقوق الانسان هي معاملة ضعيفة لجريمة خطيرة بينما يرى الاستاذ العكس تماما .فالمدخل عند الهمامي الى القضاء على الارهاب يتمثل في مقاومة الظاهرة بالأساس فهو بلا أي تردد مع المقاومة الأمنية بمعنى البحث و التقصي ثم الايقاف ثم السجن و الاحالة على محاكمة عادلة تتوفر فيها جميع الضمانات للمواطن لكي يدافع عن نفسه، و اذا صدر حكم نهائي يقضي أن شخصا ما ارهابي يقضي عقوبته بحزم و بدون تهاون من طرف الدولة . لقد كان الرجل على قناعة راسخة بأنه لا يوجد أي تناقض بين هذين الواجبين : واجب مقاومة آفة الإرهاب وواجب احترام الحق الإنساني ، ولا يجب أن يكون أي منهما على حساب الآخر ( انظر على سبيل المثال تصريحه المطول لجريدة السفير بتاريخ 23 فيفري 2016)
فمن اين أخرج البعض اذن للعياشي الهمامي تهمة مناصرة الإرهاب ؟ اللهم الا اذا اصبح نصير الحق الإنساني إرهابيا وقاتلا عند من يجهلون دستورنا وقوانيننا وكل القوانين الدولية الإنسانية و المواثيق واللوائح الدولية التي أمضت عليها بلادنا والتزمت بمقرراتها وكلها تؤكد على مناهضة التعذيب واعتباره جريمة خطيرة وعلى حق كل انسان مهما كانت فظاعة الجرم الذي ارتكبه في محاكمة عادلة .
العياشي الهمامي والتبليغ عن الإرهابيين : عندما يصل الجهل الى اقصى حدوده
يقول لزهر الضيفي وهو «ناشط حقوقي» بحسب الصفة التي يطلقها عليه مصدرنا: “نترقب من هذا العضو إذا تم انتخابه، أن يكون من المدافعين عن الإرهابيين، وحقهم بعدم التبليغ عنهم دون اعتبار لحقوق الشعب المتضرر من الإرهاب على منبر المحكمة الدستورية“.
وقال بلقاسم غمودي، في تدوينة نشرها على صفحته في ”فيسبوك“: “الشيوعي الثورجي، والحقوقي، المحامي العيّاشي الهمامي المرشّح لعضوية المحكمة الدستورية، صرّح في يوم ما أنّ التبليغ عن الإرهابيين وشاية وتهديد لحقوق الإنسان، كما عارض بشدة إقرار عقوبة الـ 5 سنوات سجنًا لكل من يتستّر على إرهابيين بما فيهم الوالدان اللذان لا يمكن إجبارهما على التبليغ عن أبنائهما الإرهابيين (الشروق العربي نفس العدد).
ولا ندري بالضبط على أي تصريح اعتمد لزهر الضيفي وبلقاسم غمودي ليتهمّا العياشي الهمامي برفض التبليغ عن الإرهابيين ولكن لن نناقشهم في صحة اقوالهم ولنفترض ان العياشي الهمامي قال بالضبط كل ما نسب اليه حقا او باطلا. ان ما يثير السخرية في هذه التهمة ان من صدرت عنه هو بلا شك جاهل تماما بمعطيات القانون الاساسي عدد 26 لسنة 2015 مؤرخ في 7 أوت 2015 يتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسيل الأموال. ماذا جاء في هذا القانون في فصله 37 ؟
الفصل 37 ـ يعد مرتكبا لجريمة إرهابية ويعاقب بالسجن من عام إلى خمسة أعوام وبخطية من خمسة آلاف دينار إلى عشرين آلاف دينار كل من يمتنع، ولو كان خاضعا للسر المهني، عن إشعار السلط ذات النظر حالا بما أمكن له الاطلاع عليه من أفعال وما بلغ إليه من معلومات أو إرشادات حول ارتكاب إحدى الجرائم الإرهابية المنصوص عليها بهذا القانون أو احتمال ارتكابها ويستثنى من أحكام الفقرة المتقدمة الوالدان والأبناء والقرين.
كما يستثنى أيضا المحامون والأطباء بخصوص الأسرار التي يطلعون عليها أثناء مباشرتهم لمهامهم أو بمناسبتها.
ويستثنى كذلك الصحافيون وفقا لأحكام المرسوم عدد 115 لسنة 2011 المؤرخ في 2 نوفمبر 2011 المتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر ولا تنسحب هذه الاستثناءات على المعلومات التي يطلعون عليها ويؤدي إشعار السلط بها إلى تفادي ارتكاب جرائم إرهابية في المستقبل.
لقد تعمدنا هنا وضع الفصل 37 من القانون الأساسي المذكور كاملا حتى يكون قارئنا على بينة من كل حثياته.
فعلى ماذا يلام العياشي الهمامي يا ترى عندما طالب قبل المصادقة على القانون باستثاء الوالدين من عملية التبليغ (لا معنى لمطالبته بذلك بعد سنه) ؟ هل يلام على طلبه استثناء الوالدين من عملية التبليغ ؟ فها هو القانون يقر بأكثر مما طالب به العياشي الهمامي فيستثني الأبناء والقرين أيضا بالإضافة الى الوالدين. بل يستثني طائفة من المهنيين حفاظا على السر المهني مثل الأطباء والمحامين والصحافيين ولا يطالبهم بالتبليغ الا في حالة ما اطلعوا على معلومات يؤدي إشعار السلط بها إلى تفادي ارتكاب جرائم إرهابية في المستقبل.
علما وأن القانون الأساسي المذكور أعلاه نقّح بالقانون الأساسي عدد9 لسنة 2019 المؤرّخ في 23 جانفي 2019 وقد شمل التنقيح عدّة فصول منه ولم يشمل الفصل 37 الذي حافظ المشرّع على صيغته وعلى محتواه ايمانا منه بصحّة المحتوى وبسلامة الصيغة لقد كان العياشي وفيا لقناعته وعارفا بالقانون الدولي الذي يستثني الأقارب المقربين من عملية التبليغ.
وبالفعل فان استثناء الأقارب من التبليغ ليست بدعة عيّاشية ولا هو استثاء تونسي. واذا اردنا ان نأخذ مثالا قريبا من محيطنا العربي وجدنا ان المادة 33 من القانون المصري رقم 94 لسنة 2015 بشأن مكافحة الإرهاب تنص على أنه “يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر وبغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تجاوز ثلاثمائة ألف جنية أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من علم بوقوع جريمة إرهابية أو بالإعداد أو التحضير لها، أو توافرت لديه معلومات أو بيانات تتصل بأحد من مرتكبيها، وكان بمكنته الإبلاغ ولم يبلغ السلطات المختصة.
ولا يسرى حكم الفقرة السابقة من هذه المادة على الزوج أو الزوجة أو أصول أو فروع الجاني ”ووفقاً لهذا النص العقابي يُحَاسب الشخص الذي يعلم بجرم إرهابي ولم يبلغ عنه السلطات رغم إمكانية قيامه بهذا الإبلاغ؛ وتستثني المادة فقط الزوج والزوجة وأصول وفروع الإرهابي، حيث يتفق الاستثناء مع الطبيعة البشرية والفطرة، فمن غير المنطقي أن يُلزم المشرع أما أو أبا بالإبلاغ عن ابن لهما إرهابي.. وقصر المشرع هذا الاستثناء على فئة قلية من الأقارب؛ فالأخ أو الخال وغيرهما لا استثناء لهم وفقاً النص المذكور (انظر نحو رؤية جديدة للإبلاغ عن الجرائم الإرهابية جريدة الزمان التركية 17 فيفري 2019).. !
لكل تونسي ولكل نائب الحق في ان يقبل بوجود العياشي في المحكة الدستورية او لا يقبل فنحن تحترم كل راي. ولكن المؤلم بالفعل هو ان يتهم الرجل بما ليس فيه كذبا وبهتانا مع الجهل بالقانون خدمة لأغراض سياسية دون أية مراعاة لما تستوجبه عضوية المحكمة الدستورية من الشروط وفقا للمعايير الدولية الخاصة باستقلال القضاء وذلك من خلال عملية شفافة تقوم على اساس معايير موضوعية كالجدارة و النزاهة والمساواة امام القانون .وكلها معايير متوفرة في الأستاذ العياشي الهمامي.
منظمات تشهد له : القلة في مغالبة الكثرة
من حسن الحظ ان هذه القلة القليلة التي تستبيح لنفسها الكذب والتشوية لم تجد آذانا ضاغية لدى العارفين بمعادن الرجال فقد نددت مجموعة من المنظمات والجمعيات بما يتعرّض له الحقوقي العياشي الهمامي من تصريحات مخزية وحملة من الكذب والتشويه تستهدف مسيرته النضالية والحقوقية، وتشكك فيها في سعي محموم من بعض الأطراف السياسية لإقصائه من تركيبة المحكمة الدستورية لحسابات ضيقة، مشيرة إلى انخراط شخصيات سياسية وإعلامية وصفحات عبر الشبكات الاجتماعية في هذه الحملة.
واعتبرت المنظمات أن العياشي الهمامي يدفع ثمن مواقف سياسية وحقوقية اتخذها في محطات عديدة من تاريخ تونس، اعتمد جزء منها كمبرر لشن حملات إعلامية وسياسية تستهدف تشويهه والانتقام من تاريخه خاصة وأن وجوها انتمت للنظام السابق تتزعم هذه الحملات.
وأكّدت المنظمات الوطنية، أن ترشح العياشي الهمامي لعضوية المحكمة الدستورية حظي بدعم كتل برلمانية عديدة، ومن توجهات سياسية مختلفة كما تدعمه كفاءته العلمية ونزاهته وموضوعيته.
وجاء في بيان المنظمات بأن العياشي الهمامي كان عبر كل المسؤوليات التي تحملها في الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان والأورومتوسطية للحقوق ومنظمات حقوقية عديدة وبصفته الشخصية في مقدمة المواجهة ضد نظام الاستبداد وآلته القمعية، ولم يتغيّب عن كل المعارك الحقوقية ومعارك الحريات ودافع عن جميع الضحايا أيا كانت توجهاتهم من أجل دولة ديمقراطية تضمن الحقوق والحريات.
التوافق حصل حول العياشي الهمامي
أخيرا وللتذكير حاز العياشي الهمامي بالفعل في مارس 2018 على توافق عريض من كل الكتل اذ توافقت الكتل على 4 مترشحين احدهم من غير المختصين في القانون (وهم العياشي الهمامي و روضة الورسيغني و سناء بن عاشور وعبد اللطيف بوعزيزي) قبل انسحاب سناء بن عاشور من السباق لأسباب شرحتها في رسالة نشرتها في افريل 2019 بعد امتناعها عن تقديم ملفها من جديد الى مجلس نواب الشعب.
وأكد رئيس الكتلة الديمقراطية، غازي الشواشي وقتها، في تصريح إعلامي، أنه تم التوافق مبدئيا من قبل أغلب الكتل البرلمانية على ترشيح الأربعة أسماء، المذكورين (الحقائق اون لاين 13 مارس 2018)
غير ان كل الدورات السابقة لم تسفر سوى عن حصول مرشحة وحيدة وهي القاضية روضة الورسيغني (مرشحة نداء تونس) على اغلبية الاصوات المطلوبة (145 صوتا) وهو ما أعاد الجدل بين الكتل حول مدى التزام بعضها بمضمون التوافقات المبرمة (وكالة تونس افريقيا للانباء -14 مارس 2018).
ان بعض الرجال كنوز لا يعرف معيارها الا من خبروا معادن الرجال.
فعلا الرجال معادن .. حقا الرجال مواقف.
اكتشاف المزيد من تدوينات
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
تدوينات لحرية الرأي وثقافة الحوار
