لطفي الحيدوري
يعتبر الدكتور خالد المنوبي أنّ الشعب التونسي حقق بعد الاستقلال، رغم أنف الدولة معجزة تمثل في “تونس ثانية” جاءت بمثابة الجنة على وجه الأرض بعد أن انتزعت من الخلاء والتصحر بفضل غراسة الأشجار المثمرة البعلية في الوسط والجنوب.
حصلت هذه المعجزة خلاف توجهات الدولة وإرادة مسيّريها. ويشير المنوبي في كتابه “الزيتونة والثورة الشعبية الصامتة.. تونس الثانية ثمنا للحرية”، الصادر في شهر ماي المنقضي باللغة الفرنسية، إلى تصريح رسمي للأمين العام للحزب الدستوري وكاتب الدولة للرئاسة الباهي الأدغم في مؤتمر الحزب بسوسة سنة 1959، الذي دعا فيه إلى العزوف عن التنمية الفلاحية بالوسط والجنوب وتوطين أغلب فلاحي الجهتين في أراضي الشمال.
وحسب الكاتب، وهو أستاذ الاقتصاد السياسي وعميد سابقا، فإنّ الشعب التونسي قد سفّه الموقف الرسمي للأمين العام للحزب الدستوري الباهي الأدغم. كما سفّه الشعب التونسي أستاذ الجغرافيا بجامعة الجزائر جان ديبوا الذي اعتبر أن لا إمكان لغراسة أشجار بَعْلية جنوب وادران، وذلك بأن تمت زراعة مساحة تقارب ثلث بلجيكا جنوب وادران ووصولا إلى ما بعد مدنين، بجهود الفلاحين التونسيين.
حصلت المعجزة، كما يصفها الكاتب، عبر إضافة 40000 كلم مربع خضراء إلى 45000 كلم مربع الخضراء والموجودة سنة الاستقلال، وقد حصل ذلك بفضل الشعب ورغم أنف دولته، وفق عبارة المنوبي. ومساحة تونس الخضراء الجديدة هي دون ثلاثة أرباع مساحة اليونان ودون ثلث مساحة إيطاليا ودون خمس مساحة إسبانيا، ورغم ذلك فإنّ صابة 2017-2018 التي بلغت 280 ألف طن من الزيت جاءت ثانية في العالم بعد إسبانيا وقبل إيطاليا واليونان، كما أنّ ذروة الإنتاج التونسي المطلقة سجلت صابة 1996-1997 (330 ألف طن من الزيت)، وهو ما من شأنه طرح إمكانية تقليل الإحصائيات من إنتاج الزيت خصوصا مع تسجيل تواصل مطرد لغراسة الأشجار في كافة أنحاء البلاد منذ حصول تلك الذروة المطلقة لحد الآن.
يشدد الكاتب على أنّ الشعب التونسي بفلاحيه، حقق معجزة إضافة جنة على وجه الأرض لا تبعد مساحتها عن مساحة تونس البداية. وذلك بفضل تجذر “الغارسين” في أرضهم وتحضّرهم، فضلا عن افتكاك سكان غابات الشمال الدولية لجزء من الأراضي قصد غراستها هي أيضا بالأشجار أو زراعتها.
غارسو الزيتون هم الذين عمّروا “تونس الثانية” التي لم تطأها “دولة الاستقلال”، وفي هذا السياق يرى الكاتب أنّه “لا يخفى أنّ تعميم غابة الزيتون أساسا في مناطق عارية تمتد من السبيخة إلى تطاوين يوفر دخولا ذات بال للغارسين، وليس للمغارسين، لأنّ الأراضي المعنية لم تكن ملكا فرديا قبل الغراسة كما هو الشأن في المغارسة حيث كانت أراض عروشية، وهو ما جعل البلاد بالتالي ملكا لأصحابها بما يبعد العروشية نهائيا، ووصولا إلى المعنى الأمني للكلمة، بما يسقط عمليا دولة أمن الدولة “دولة الاستقلال” التي انتصبت على تونس الأولى دون أن تطال أبدا تونس الثانية”.
ويؤكد خالد المنوبي أنّ مساحة “تونس الثانية” تضاهي تقريبا مساحة تونس التي “عاثت الدولة فيها فسادا رغم بعض الإنجازات”، وفق تعبير الكاتب. وما أنجزته ثورة 17 ديسمبر- 14 جانفي، ما هو إلاّ ضمّ تونس “البداية” إلى تونس “الثانية”، بفضل معجزة حققها الشعب على الأرض تمثلت في إضفاء صفة الخضراء من جديد إلى تونس التي شهدت ثورة الغراسة الصامتة، تلك الثورة التي حسمت الأمر سنوات قبل 2011.
تلك هي خلاصة رؤية العميد خالد المنوبي، لما يعتبره تحقيق الشعب للنموّ “رغم أنف الدولة”.
وقد بني الكتاب على جزءين، ناقش المؤلف في الجزء الأول كتاب عبد الرؤوف العيادي “الثورة وعنفوان الفكرة” الصادر في أكتوبر 2018، وخصص الفصل الثاني ملحقا بصور عن غابات الزيتون في الوسط والجنوب، للحديث عمّا اصطلح عليه “تونس الثانية “.
وقد تطرق الكاتب إلى المفهوم النظري للثورة الذي يعتبره المنوبي ضبابيا عند أغلب الناس بمن فيهم عبد الرؤوف العيادي، حيث يعتقد جل الناس أنّ الثورة إنّما هي مجرد إزاحة من هم في الحكم وتعويضهم بغيرهم، أو أنّها لا تكون دون النفاذ إلى عمق الأشياء وإلى حقيقة من أزيحوا ومن خلفوهم عند الاقتضاء من الناحية الاجتماعية والتاريخية والاقتصادية.
وأشار الكاتب خالد المنوبي إلى ما يعتبره تناقضا وقع فيه العيادي في كتابه المذكور، فهو يسلّم من جهة برجوع المنظومة القديمة ويقرّ من جهة أخرى بأنّ الاستبداد هزم سياسيّا.
ويختلف خالد المنوبي عن عبد الرؤوف العيادي في تقييم تجربة اليسار التونسي، إذ يراه قد غفل عن كون اليسار السياسي والنقابي مخترق بشكل عميق من قبل جهاز أمن الدولة سابقا.
وشدد الكاتب في قسم نظري على نقطتين”
1. فالمجتمع المرجعي في المنطق النظري إنّما هو الشكل الاجتماعي الرأسمالي المعولم منذ ظهوره قبل 5 قرون.
2. والثورات تتم في أوطان تحدّد حدودها تاريخيا ضمن الشكل المذكور وبالتالي فإنّ الثورات تتوزع الآن على ثلاثة أنواع تلتقي في مساهمة أكبر للشعب في السلطة السياسية مع تنسيب لعبارتي ديمقراطية ودكتاتورية وذلك على النحو الآتي:
- الثورة الديمقراطية البورجوازية وهي بورجوازية بحكم احترامها للملكية الفكرية.
- دكتاتورية البروليتاريا
- الدكتاتورية الإسلامية ويحدث بعض التأثير المتبادل بين هذه الأنواع الثلاث.
ويذهب الكاتب إلى أنّ ما حصل في تونس إنما هو انتقال نحو ثورة ديمقراطية بورجوازية ذات مؤثرات إسلامية. وشدد المؤلف على أن هذه الثورات لا تحصل البتة إلا في وطن غير ميئوس من حظوظه، فقد يحصل حين ذاك أن يقيم فيه الشعب الدليل على تصميمه فيما يتعلق بتبديل قواعد اللعبة السياسية قصد إنقاذ الموقف بفضل ما هو متوفر أو ما يمكن أن يتوفر في حال تغيرت تلك القواعد.
اكتشاف المزيد من تدوينات
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.