علي بن مكشر
كتب خوسيه:
كانت اللغة أحد الشروط الصارمة لفهم الآخرين، خاصة لمن كان في اختصاصي، ثم تبينت أن الفرنسية لم تكن كافية كوسيط بيني وبين القوم، فعمدت إلى الإجتهاد في تعلم العربية، التي لم تكن كافية، فكان لزاما علي أن أتعلم اللهجة العامية وإحدى اللهجات الأمازيغية على الأقل، لعلي أنفذ إلى بعض أسرار تلك الحضارة الآسرة..
كان لابد أن تمر سنين عددا حتى أفهم خصوصية كلمة (الكرامة) عند أهل تلك الشعوب الخليطة من أمازيغ وعرب وأقوام أخرى شربوها وتشربتهم حتى تشابهوا خلقا وخلقا، ومن ثم فهمت لماذا أحرق ذلك الشاب التونسي نفسه من أجل إهانة، فأحدث زلزالا رهيبا اهتزت له أركان الأرض، وجعلت مراكز الأبحاث عندنا في هرج ومرج لفهم ذلك الزلزال وتداعياته علينا وعلى مستقبل مصالحنا المتشابكة معهم.
في شوارع الرباط المكتضة، يتعايش القديم والحديث، رجال ونساء تبدو عليهم آثار النعمة، يلبسون ثيابا أوروبية فاخرة، يسيرون بثبات وبوجوه خالية من الهموم تماما.. وفي نفس الشارع هناك وجوه موغلة في القدم، تقاسيمها بارزة، يلبسون جلابيبا فضفاضة، أرسلوا لحاهم، كأن الزمن أرسلهم من ألف عام. وهناك نساء يجلسن على الأرصفة، بثياب مهملة، يتملقن المارة، بأدعية متكررة ومتماهية، وقد يضعن بجانبهن طفلا صغيرا بحالة تبعث على الرثاء. لكن هناك نوعا آخر من الشحادين على تلك الأرصفة، يرتلون القرآن بصوت مسموع، وهم في الغالب كفيفون، يسترزقون بتلك الطريقة دون أن تعرف بالضبط أي من الصنفين يحظى بتعاطف الرحماء من الناس…
صنف آخر تلاحظه ليلا، وفي أرصفة محددة، لبنات ونساء يراودن المارة، في لعبة القط والفأر مع الشرطة ويقال بأن جزءا منهم يتولى حمايتهن مقابل معلوم مادي على ذلك العمل الممنوع.
مضى زمن قصير على احتراق الفتى التونسي، عندما فر رئيس البلاد، وأصبح للأرض طنين تسمعه كلما وضعت رأسك على الوسادة، فالهتافات لا تنتهي أبدا، والإعلام حول العالم في نشاط أقصى، فالذي حدث لم يتوقعه أحد، كما أن مآلاته لا أحد يعرف منتهاها.. وما إن خمدت بتونس، حتى سكرت كل الشعوب في تلك المنطقة، بنشوة مخيفة، ثم اندلعت بمصر هذه المرة، في ذهول شديد من أباطرة العالم.
خوسيه في 8 يوليو 2050
يتبع
اكتشاف المزيد من تدوينات
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
تدوينات لحرية الرأي وثقافة الحوار
