أبو يعرب المرزوقي
خلال عودتي أمس من العاصمة بعد حضوري ثاني اجتماع لتأسيس مركز ابن خلدون للدراسات الفلسفية والاجتماعية (هو المركز الذي سعيت لتأسيسه وصدر فيه أمر بالرائد الرسمي في شهر فيفري سنة 2013 قبل مغادرتي حكومة الثورة الأولى ولم تنجزه الدولة فقررنا إنشاء بديل منه بمبادرة من المجتمع الأهلي) فتحت الراديو لسماع الاخبار فوجدت نجيب الشابي يخرف كعادته ويتكلم عن توحيد قوى الحداثة والديموقراطية التي يعتبر نفسه أحد ممثليها. وهذه التسمية من إبداعات الشيوعي والقومي الحاليين وقد كان منهم أو ابداعات السبسي وشقوق حزبه وهو من مزيفي الانتخابات.
وحتى لو نسينا أنه كان من القوميين واليساريين الذين هم بالجوهر ممثلون للفاشية في العهود السابقة نراه مباشرة بعد فرار ابن علي يقدم نفسه ليكون بديلا منه بنفس شروط المافية التي كانت أركان نظامه وتبين من مصدر موثوق أنه هو الذي نصب السبسي مع مافيوزي تونس الأكبر وظن بحمقه السبسي “ركابه”.
وهو اليوم يصدق عليه المثل التونسي “باش تنفخ النار يا بو شرمة”. ليس عنده حزب وليس عنده مصداقية والذي تحالف معه بعد ابن علي ليكون بديلا موله في حملة حمقاء انتهت بفضيحته لأنه لم يدخل إلى المجلس التأسيسي إلا للتشويش حتى انتهى به الأمر إلى أن لم يبق ممن كانوا معه إلى وهم الزعامة.
والمضحك في كلامه أنه يتصور نفسه استراتيجيا يقدم كل مرة يناديه الإعلام مشروعا لإنقاذ تونس ولم يقل أبدا مما يريد إنقاذها غير ما يضمره كلامه وهو تماما ما يعبر عنه بصراحة من ينوي الاعتماد عليهم ويسميهم الحداثيين والديموقراطيين يعني بقايا المافية الابنعلوية وفاشية قوادتها المعلومين.
والشيء الثابت أنه لو تقدم للانتخابات وقد فعل فإنه لن يتجاوز العتبة التي لو وضعت -حتى لو كانت واحد في المائة وليس خمسة- لأدرجته مع كل المنتسبين إلى سوق- “البصاصين بلا…”.. ذلك أن الشعب التونسي مثله مثل بقية شعوب الإقليم بدأ يفهم من يريدون خدمته ومن يريدون استخدامه. وذلك هو فضل الثورة الأكبر.
قد أفهم أن يقول أحد زعماء اليسار -أبو فنان يحضر زعماء النهضة عرسه- أنهم أي اليسار -طلبوا من رئيس المافية أن يساعدهم ضد النهضة- قد أفهم ذلك أما أن يعتمد على نفس الرئيس في تعيين السبسي ليكون “ركابا” يمكنه من امتطاء كرسي الرئاسة كما توهم ليحكم تونس بمساعدة نفس مافيا ابن علي فذلك ما يحير حقا.
وليس القضية الخلقية التي يطرحها هذا السلوك هو الذي يحيرني فلا أستغرب شيئا من أي سياسي في المسالة الخلقية. ما يحيرني هو المستوى العقلي للرجل. من يتصور السبسي “حريبشة للبلعان” لا يمكن أن يكون له ذرة من الذكاء فضلا عن الخبرة السياسية: فالرجل تركه يتوهم ما يريد وفرض عليه ما نعلم.
خيره بين البقاء في الحكومة والتخلي عن الترشح للانتخابات أو الخروج من الحكومة إذا اراد الترشح. وكانت الضربة الأولى. ولما كون الجبهة استثناه لأنه كان حينها يشوش على المجلس فتركه يتآكل في معارضة عبثية مع حكم هو بدوره عبثي لأنه لم يكن يحكم بسبب الاتحاد والمافية وقوادتها المعلومين.
وواضح أن الشابي يتوهم أن “الذئاب الجدد” يقرأون له حسابا في ما يسعون إليه من استئصال الإسلاميين والاستعداد للتحالف من أجل هذا الهدف بعد أن انتظروا جودو البيان عدد 1 ولم يجدوا في الجيش الوطني من يخون رسالته فيكون مطية سياسية في تونس. وهم يعتبرونه فاشلا فلا يحتاجون لخدماته.
صار كل يوم يبشر بتكوين جبهة “إنقاذ للوطن” وفي الحقيقة هو يبحث عن الانقاذ الذاتي للإهمال الذي صار يعيشه ويختنق به. لذلك تراه يتودد لهؤلاء الذئاب الجدد لعلهم “يرئسوه” وليته يفهم أنهم يعتبرونه رمز الفشل. لذلك فمهما تودد لهم فلن يعيروه اهتماما. ومن ثم فهو قد أصبح مثيل الإعلاميين التونسيين الذين يستضيفونه والذين لا دين لهم ولا ملة يخدمون ركاب كل المافيات طمعا في المال.
لكن طمعه هو في الزعامة وفي الرئاسة. ومثله منه لا يريد أن يسهم في السياسة إلا كرئيس. كلاهما رمز الفشل والزعامة المرضية. وبين أن طبالي الصحافة ينالون غرضهم فيحصلون على أجرهم ككل العبيد راضين. لكنه يعمل سدى لأن اجره الذي يتصوره حقا مشروعا مستحيل وكان عليه أن يفهم ذلك بعد نكبة الانتخابات الأولى وتبخر حزيبه.
والآن اللعبة حسمت وهي رهن مآل ما يجري في الجزائر: فإما أن الفوضى ستعم المغرب العربي كله أو أن الانفراجة ستأتي من الجزائر إذا هي استأنفت ربيعها الذي أوقفه العسكر في تسعينات القرن الماضي وهو لم يعد له القدرة على تكرار نفس السيناريو لأنهم أوصلوا الجزائر إلى الإفلاس الاقتصادي التام.
ولما كانوا يرون مآل الفشل المطلق في مصر وسوريا فإن الوطنيين الجزائريين له فرصة انقاذ الجزائر لأن العسكر يريد أن يستمتع بما “لهف ونهب” ولن يغامر بعشرية أخرى من الإرهاب الذي رعته المخابرات وحملت مسؤوليته للإسلاميين الذين نأمل ألا يتورطوا في ما يمدهم بالتبرير لمثل المؤامرة السابقة.
وإذن فالمنتظر أن تكون الجزائر مرة أخرى قائدة ثورة التحرر مثلما كانت قائدة ثورة التحرير فيستعيد المغرب الغربي الأمازيغي دوره في الضفة الجنوبية للأبيض المتوسط ويصبح في علاقة ندية بالضفة الشمالية ويمكن حينها أن نتكلم على تعاون ندي بين شعوب الأبيض المتوسط في نظام العالم الجديد.
وعندئذ لن يجد أدعياء الحداثة والديموقراطية الموزية الذين ينتظرون سند فرنسا من يسندهم فيضطروا إلى قبول راي الصندوق وعندئذ سيرون أنهم لا يمكن أن يتجاوزوا العتبة فيبقون كما هم مجرد مراهقين يدعون ما لا يملكون فيكتفون بالنعيق والأحلام الوردية التي يمثلها أكبر المخرفين الشابي الذي كان “يحب” الإسلاميين ليخدم بهم ويملأ مقر حزبه الخالي ويستغل قضيتهم الإنسانية واليوم صار يعتبرهم ظلاميين.
وهو قد استعمل هذا المعنى في مرحلتين الأولى كانت قبل الانتخابات الأولى لما توهم أن ما وعدوه به كان حقا فحمل حملة شعواء على الإسلاميين بشكل يشبه الحملات الأمريكية وبتمويل سخي ولما خسر لم يفهم فظل يشاكس في حين أن الفرصة كانت سانحة لكي يسهم في اللبنات الأولى للجمهورية الثانية.
والثانية بعد اليأس من الانتخابات الثانية بدأ يغازل حركة النهضة علها تتبنى ترشحه لكن الجماعة تعلموا أن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين فأهملوا الرد عليه مع عدم المس بانتفاخ شخصيته المرضي وتركوه يحلم. وهو يظن اليوم مثل الكثير من خدم النظام السابق أن الفرصة سنحت للاستئصال مرة أخرى ظنا أن الثورة المضادة يمكن أن تساعد وأنها منتصرة في المعركة.
وهي كلها حسابات خاطئة. فالموجة الثانية من الثورة آتية لا ريب فيها ولعلها ستكون جزائرية بامتياز وهي إذا وصلت إلى الجزائر ولم يتعجل الإسلاميون فيها طلب الحكم وتركوا الشعب يتصرف دون تمييز بين المرجعيات والاقتصار على المطالب الأساسية للحرية والكرامة فإن الثورة ستقضي على كل العملاء والطامعين في الحكم التابع وبذلك يتكامل التحرر والتحرير في كامل الإقليم.
اكتشاف المزيد من تدوينات
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.