كانت البناية في شارع الخوارزمي، وكانت فارعة الطول وفخمة، مثل فتاة فاتنة وبكامل أناقتها..
ألقيت السلام في استحياء على موظفة البنك الجميلة، كان كل شيء يبدو مرتّبا في المكتب باستثناء أفكاري المشوشة. وكان الرواق خاليا تقريبا من العابرين. ولأول وهلة أردت أن أرتمي في حضنها، أن أسند رأسي لصدرها كما كنت أفعل مع أمي عندما أهرب من قسوة الدروب إليها، وأروي لها قصة حياتي بدمعتين، أن أسألها عن إسمها وكنيتها التي تضعها في البروفايل الخاص بها وفي انحناء خطوط إمضائها الجميل، عن أسرارها التي لم تبح بها وعن ملاءة السرير المبعثرة التي تركتها هذا الصباح على عجل.. غير أنها لم تتكلف حتى عناء الردّ.. طلبت مني في فتور بالغ الجلوس على كرسي مقابل، ثم نظرت إلي نظرة من اعتاد السؤال من غير كلام.. فأخذت أشرح الغرض من مجيئي وحاجتي إلى قرض أرتق به ثقوب أيامي القادمة. امتدت يدها إلى ورق قريب ثم سألتني عن تاريخ الميلاد ورقم الهاتف الجوال، عن المعرف البنكي ورقم بطاقة الهوية، وعن المعرف الوحيد والمبلغ المطلوب.
– شكرا أخذنا كل ما يلزم، سنعاود الاتصال بك، يمكنك الانصراف.
– ولكنك لم تطلبي إسمي على الأقل ؟
– (مع نصف ابتسامة).. لا حاجة لذلك.
كنت سأقول للموظفة صاحبة نصف الابتسامة أنّ إسمي هو فعلا غير مهم.. وأنها ربما نسيت أن تسألني عن مقاس حذائي، وعن سنتميترات استدارة حزامي وعنق قميصي، عن عدد أسناني المتبقية، وأمراضي المستوطنة.. ولكني نزلت مسرعا كمن يفرّ من نفسه وأنا أعد الدرجات العشرين إلى أن بلغت الباب الخارجي للإدارة…
وقفت على جانب الطريق مهموما إلى أن أيقظني صرير فرامل الحافلة، هذه الحافلة التي انتظرتها في كل المحطات مثل عاشق مجنون، ويحتويني فرح غامر لرؤية رقم لوحتها في ساعة الهاتف وحتى في دفتر الديون.. صعدت متفرسا في الوجوه، كانت جميعها تشبه موظفة البنك ولكن دون مسحة جمال، وانتابني شعور بأن جميع الركاب قد فقدوا عادة الكلام، وأن نظراتهم الوقحة تحمل نفس الأسئلة: رقم هويتي الوطنية والبنكية والمهنية وتاريخ ولادتي.. تجاهلت كل ذلك وجلست أنظر من النافذة إلى معلقات الإشهار والعمارات على جانب الطريق.. وفكرت أني أنظر إلى أكداس من العملات الورقية التي استحالت شارعا ينبض بالحياة.
دلفت إلى حديقة البيت المهملة تراودني مشاعر متناقضة، وأنا أضم يدي على الراتب الهزيل في جيبي كمن يبحث عن دفء في هذا الصقيع.. كان ذلك في أواخر فصل الخريف، وقد التحف الكون كله ببرد ينفذ للضلوع.. وكانت زوجتي في غرفة المعيشة ترتب الثياب الشتوية القديمة، تفطنت إلى وقع أقدامي، فنادت بصوت أنثوي على غير العادة: هل قبضت الراتب ؟..
لم أجب، وتملكتني شعور قاتل… فبالكاد نتبادل الكلام.. وأطول محادثة هي عندما تسألني عن الراتب ثم تلح في السؤال… وخطر لي مرة أن أسألها عن إسمي.. فربما هي أيضا نسيته، ولم تعد تذكرني إلا كرقم.
اكتشاف المزيد من تدوينات
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.